العمل النقابي في الجزائر: حريات على الورق وقيود من حديد في الواقع

في مقابل دستور يكفل الحرية النقابية وحق الإضراب في الجزائر، يكشف واقع العام 2025 عن موجة متصاعدة من الملاحقات القضائية والسجن والرقابة المشددة بحق نقابيين من قطاعات التربية والنقل والثقافة ، فيما تُصدر هيئات أممية تقارير تنتقد بحدة التشريعات الجزائرية وتطبيقها، وتطالب الحكومة بفتح تحقيقات في ادعاءات القمع النقابي.

Roger Langevin, Les travailleuses et les travailleurs (2016, Montréal). Wikimedia Commons

 يكفل الدستور الجزائري المعدَّل سنة 2020 جملةً من الضمانات المتعلقة بالحريات النقابية؛ إذ تنص المادة 70 على حق إنشاء النقابات وتقريرها بصفة مستقلة، فيما تضمن المادة 69 حق الإضراب الذي يُمارَس في إطار القانون. وتُؤكد المادة 36 على مبدأ المساواة وحظر التمييز، بما يشمل الممارسة النقابية. غير أن هذه الضمانات الدستورية باتت تصطدم، في أرض الواقع، بمنظومة تشريعية جديدة مثّل القانون رقم 23-02 المتعلق بالحق النقابي، الصادر سنة 2023، ركيزتَها الأساسية. وقد رفضت أغلب المنظمات النقابية المستقلة هذا القانون قبل مصادقة البرلمان عليه، معتبرةً أنه يفرض شروطاً تعجيزية على تأسيس النقابات، ويُقيّد الإضراب بقيود جديدة، ويفتح الباب أمام تدخل الإدارة في الشؤون الداخلية للتنظيمات العمالية.

وفي السياق ذاته، صدر مرسوم تنفيذي يحظر اللجوء إلى الإضراب في قطاعات عدة تعدّها الحكومة “استراتيجية”، تشمل الدفاع والأمن والعدالة والمالية والطاقة والنقل والتعليم. وقد رصد الباحثون والمنظمات الحقوقية تناقضاً صارخاً بين ما تنص عليه هذه المواد الدستورية وبين الملاحقات القضائية المتكررة للنقابيين بسبب نشاطهم المهني، وهو التناقض الذي بات محور شكاوى متعددة أمام هيئات العمل الدولية.

 

المادة 87 مكرر: سيف قانوني فوق رقاب النقابيين

في نهاية مارس 2026، أصدرت لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية تقريرها السنوي عن الجزائر، ووصفه رئيس الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة (كوسيفوب) رؤوف ملال في تصريح خاص لموقع “بابور” بأنه “تقرير أسود”. وقد استندت اللجنة إلى الشكاوى المقدمة من نقابتين مستقلتين بتاريخي 30 جويلية و13 أوت 2025، هما الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة والنقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية (سناباب)، واللتان وثّقتا انتهاكات جسيمة تشمل حالات فصل تعسفي ومضايقة قيادات نقابية.

وعلى صعيد المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، وجّهت لجنة الخبراء المعنية بإلغاء العمل الجبري “طلباً مباشراً” للحكومة الجزائرية، أكدت فيه أن هذه المادة تتضمن تعريفاً للإرهاب “فضفاضاً بشكل مفرط وغامضاً”، وقد وسّعه المرسوم الرئاسي رقم 21-08 الصادر في 30 ماي 2021 ليشمل “محاولة الاستيلاء على السلطة بوسائل غير دستورية” و”المساس بالوحدة الوطنية”. وأشارت اللجنة إلى أن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع وتكوين الجمعيات كان قد سجّل في تقريره لسنة 2024 توظيفَ هذه المادة لملاحقة أشخاص بسبب ممارستهم السلمية لحق التجمع. وطالبت اللجنة الحكومة بتقديم بيانات تفصيلية حول تطبيق هذه المادة في الواقع، تشمل عدد المتابعات القضائية والأحكام الصادرة والأفعال التي استوجبت الإدانة، وذلك في إطار ما وصفه ملال بأنه “تحقيق دولي مفتوح” يسعى إلى تحديد مواطن الخطر من هذه المادة وكيفية توظيفها ضد النقابيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

 

التمثيلية وحق التفاوض الجماعي: قيود تحت مجهر الرقابة الأممية

على صعيد التمثيلية النقابية، أبدت لجنة الخبراء قلقاً بالغاً من المعايير التي تعتمدها وزارة العمل بموجب المادة 69 من القانون 23-02، ولا سيما معياري الشفافية المالية والحياد السياسي. وقد رأت اللجنة أن هذين المعيارين “لا يوفران الضمانات اللازمة من الدقة والموضوعية” وقد يفضيان إلى “مخاطر التحيز أو التعسف”، طالبةً من الحكومة الشروع في مشاورات مع منظمات العمال وأصحاب العمل التمثيلية بهدف مراجعتهما. وكشفت الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة أمام اللجنة أن بعض النقابات تحصل تلقائياً على الاعتماد، في حين تُحرَم هي منه دون تبرير مكتوب، مما يجعل الاستبعاد من التفاوض الجماعي وسيلةً فعلية لإسكات الصوت النقابي المستقل.

وفيما يخص متطلبات الحفاظ على الصفة التمثيلية، طعنت اللجنة في المادة 79 من القانون ذاته التي تُلزم النقابات بتقديم معلومات تفصيلية عن أعضائها دورياً عبر منصة إلكترونية، محذّرةً من أن إطلاع أصحاب العمل على قوائم المنتسبين قد يفتح الباب أمام التمييز النقابي. وطالبت الحكومة بإجراء مشاورات لإزالة هذا المتطلب، مقترحةً الاكتفاء بكشف الاشتراكات بديلاً عن الكشف الاسمي للأعضاء. وعلى صعيد التفاوض الجماعي في غياب نقابة تمثيلية، حثّت اللجنة الحكومة على توضيح إمكانية تحالف النقابات الأقل تمثيلاً للتفاوض المشترك أو إبرام اتفاقيات جماعية لصالح منتسبيها على الأقل، مؤكدةً أن حق التفاوض الجماعي ينبغي أن يشمل جميع المنظمات النقابية دون تمييز، على النحو الذي تضمنه الاتفاقية الدولية رقم 98 التي صادقت عليها الجزائر منذ عام 1962.


 

قطاع النقل: من بيان إضراب إلى قفص الاتهام

شكّل قطاع النقل بالسكك الحديدية الساحة الأكثر احتقاناً في المشهد النقابي الجزائري خلال عام 2025. ففي 25 جويلية من العام ذاته، وقّع لونيس سعيدي، الأمين العام للفيدرالية الوطنية لعمال النقل بالسكك الحديدية التابعة للاتحاد العام للعمال الجزائريين، إشعاراً رسمياً بإضراب وطني مفتوح، مُوجَّهاً إلى وزير النقل، احتجاجاً على تدخل الإدارة في الشأن النقابي وغلق باب الحوار وانتهاك حقوق العمال. وقبل انطلاق الإضراب المقرر في 7 يوليو، أُودع سعيدي الحبس الاحتياطي في اليوم الخامس من الشهر ذاته، الموافق للذكرى الثانية والستين لاستقلال الجزائر. وفي 17 جويلية، أصدرت محكمة سيدي أمحمد حكماً بسجنه سنتين نافذتين وغرامة مالية قدرها مليونا دينار، في ما اعتبره حزب العمال وهيئات حقوقية “تجريماً صريحاً لحق الإضراب”.

وقد تبرّأ سعيدي لاحقاً في مرحلة الاستئناف، لكن موجة الاعتقالات لم تتوقف. ففي 26 نوفمبر 2025، جرى توقيف عشرة نقابيين آخرين من قطاع السكك الحديدية في ولايات متعددة، على خلفية وقفات عفوية عن العمل للمطالبة بحقوق مهنية. ومن بين الموقوفين الأمين العام الجديد للفيدرالية، الذي اعتُقل بعد أيام قليلة فحسب من الإفراج عن سلفه سعيدي. وقد وصف حزب العمال هذا التزامن بـ”التطور الخطير”، مستغرباً تزامنه مع اجتماع مجلس الوزراء الذي قرّر فيه رفع الحد الأدنى للأجور، معتبراً أن “جرّ النقابيين إلى قسم الجنايات يؤسس لتجريم العمل النقابي”. أما أمينة عامة حزب العمال لويزة حنون، فقد انتقدت بحدة هذه السياسة، مشيرةً إلى أن قرابة 180 موظفاً في قطاع النقل المينائي يواجهون وضعاً معلقاً رغم صدور أحكام قضائية نهائية بالبراءة وبإعادة إدماجهم، فضلاً عن توقيف عشرة نقابيين بتهمٍ مرتبطة بنشاطهم النقابي.

لتبقى حالة المبلغ عن الفساد تونسي نورالدين وعدد من زملائه النقابين الحائزين على أحكام قضائية تأمر بإعادة إدماجهم في مناصب عملهم وسط تعسف إدارة المؤسسات المينائية، عنوان أخر لهذا التناقض بين الحقوق المضمونة دستورياً والواقع المعادي لهً.

 

قطاع التربية: رقابة قضائية وصمت مفروض

لم يسلم قطاع التربية الوطنية من التضييق. ففي فبراير 2025، أوقفت مصالح الأمن المنسقَ الوطني لنقابة “كناباست” (المجلس الوطني المستقل لأساتذة الأطوار الثلاثة) مسعود بوديبة، خلال وقفة احتجاجية أمام مديرية التربية بولاية المسيلة، برفقة عدد من الأساتذة. وبعد الإفراج عن باقي الموقوفين، أُحيل بوديبة ورفيقه النقابي هابت بوبكر إلى النيابة، ثم أمر قاضي التحقيق بوضع بوديبة تحت الرقابة القضائية بتهم تشمل “التحريض على التجمهر” و”المساس بالوحدة الوطنية”. ويُلزَم بوديبة بالتنقل مرتين أسبوعياً بين الجزائر العاصمة، مقر إقامته، وولاية المسيلة للتوقيع في سجل الرقابة القضائية، وهي مسافة تتجاوز مئتي كيلومتر في الاتجاه الواحد. ويمنعه القرار القضائي كذلك من الإدلاء بأي تصريح في وسائل الإعلام أو النشر على منصات التواصل الاجتماعي. وقد حاولنا التواصل مع بوديبة للاستفسار عن وضعه، إلا أن القيود القضائية المفروضة عليه تحول دون ذلك.

وتواجه نقابة “كناباست” تحديات إضافية يصفها رؤوف ملال بـ”التدخل المباشر في الشأن الداخلي للنقابة”، إذ طُبّقت المادة 56 من القانون 23-02 التي تُحدد العهدات بعهدتين فقط، مما أفضى إلى فصل النقابي بلقاسم فلفول الذي كان في عهدته الخامسة. وفي أغسطس 2025، انعقدت الجمعية العامة لـ”كناباست” بولاية الشلف، وأصدرت بياناً أكدت فيه أن التضييق بلغ “مستويات غير مقبولة”، داعيةً منخرطيها إلى التجنّد لمواجهة محاولات استهداف التنظيم. كما طالب حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) في بيان رسمي بوقف “جميع أشكال التضييقات والتحرشات” المستهدِفة للنقابات المستقلة.

 

قطاع الثقافة: 10 سنة سجناً لنشاط نقابي

تمثّل قضية علي معمري، رئيس النقابة الوطنية المستقلة لموظفي قطاع الثقافة والفنون، واحدةً من أشد الحالات وطأةً في المشهد النقابي الجزائري. ففي 19 مارس 2025، أوقفه عناصر من الشرطة بالزي المدني من مقر عمله في أم البواقي، دون مذكرة اعتقال، وظل ذووه ومحاموه أربعة أيام كاملة يجهلون مكان احتجازه، في ما يُصنَّف قانونياً اختفاءً قسرياً. وأبلغ معمري عائلتَه بتعرضه للضرب أثناء الاستجواب وإكراهه على الاعتراف، وحين حاولت والدته تقديم شكوى بالتعذيب لدى محكمة أم البواقي، رفضت كتابة الضبط تسجيلها. وفي 29 أكتوبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية بأم البواقي حكماً ابتدائياً بسجنه خمسة عشر عاماً بتهم “تمجيد أعمال إرهابية” و”كشف معلومات حساسة”، في إشارة إلى مراسلاته مع نقابيين في الخارج ومشاركته قراراً إدارياً يثبت نقله التعسفي داخل مؤسسة قبل ان يصبح عشر سنوات سجنا، وسط شكاوى بتعرضه للتعذيب خلال التحقيق الأمني، وفقا لتصريحات محاميه سعيد زاهي وأسرته.

وقد استنكر رؤوف ملال هذا الحكم معتبراً إياه “قاسياً جداً”، مُضيفاً أن منظمة العفو الدولية ومركز القاهرة لحقوق الإنسان وتسع عشرة منظمة حقوقية دولية أطلقت حملة مشتركة للمطالبة بالإفراج عنه. بل إن ثلاث منظمات حقوقية هي هيومن رايتس ووتش ومنّا لحقوق الإنسان والأورو-متوسطية، وجّهت رسالةً إلى البابا فرنسيس قبيل زيارته للجزائر، تطلب منه التدخل الشخصي لدى الرئيس تبون للإفراج عن معمري. ويستأنف معمري حكمه وتنتظر قضيته تحديد موعد جلسة الاستئناف. وقد سبق توقيفه بأيام قليلة فحسب صدورُ رأي لجنة خبراء منظمة العمل الدولية المتعلق بانتهاكات الحريات النقابية في الجزائر.

 

الجزائر في القائمة السوداء العربية

على الصعيد الدولي، كشف رؤوف ملال أن الاتحاد العربي للنقابات، الذي ينضوي تحته الاتحاد العام للعمال الجزائريين، عقد اجتماعاً وقرر إدراج الجزائر في قائمته السوداء بوصفها من أكثر الدول انتهاكاً للاتفاقيات الدولية على المستوى العربي. وقال ملال إن هذا التصنيف جاء مباشرة في أعقاب التقرير الحاد للجنة خبراء منظمة العمل الدولية. وحين حاولنا التواصل مع الاتحاد العربي للنقابات للاستيضاح، لم تتلقَّ أي رد على اتصالاتها.

وفي ما يبدو موقفاً استثنائياً، خرج الاتحاد العام للعمال الجزائريين ذاته، في بيان ختامي عن اجتماع أمانته الوطنية بتاريخ 30 سبتمبر 2025، بمطالبة علنية نادرة بالإفراج عن النقابي سعيدي لونيس، وبوقف الملاحقات القضائية للنقابيين وتطبيق الأحكام القضائية الصادرة لصالح العمال. وكان ذلك بعد أن منيت قيادات في الاتحاد ذاته بعمليات فصل وسجن بدت صادمة لمنظمة طالما وُصفت بقربها من الخط الرسمي. أما ملال، فقد لخّص المشهد بعبارة دقيقة، قائلاً إن الجزائر باتت تواجه “أقصى حالاتها” على صعيد القمع النقابي، في ظل تشريعات يرى المنتقدون أنها فصلت العمل النقابي عن السياسي وجعلت من الإضراب، في قطاعات بأكملها، جريمةً قابلة للملاحقة القضائية، بينما يواصل نقابيون كمسعود بوديبة وزميله هابط التنقل تحت وطأة رقابة قضائية مشددة، عاجزين عن التعبير علناً، في صمت يفرضه القضاء لا الاختيار