الأسس التاريخية والسياسية للعلاقات الروسية الجزائرية
تُوصَف العلاقات بين الجزائر وموسكو غالباً بأنها تحالف راسخ لا يتزعزع يعود إلى مرحلة تصفية الاستعمار والحرب الباردة، غير أنّ هذا الوصف يحتاج إلى بعض التوضيح والتدقيق. ففي كتابه (Autopsie d’une guerre: l’aurore) ما ترجمته بالعربية: “تشريح حرب: الفجر”، يروي فرحات عباس مهمة له في إسبانيا سنة 1957 قائلاً: “في ذلك الوقت، كانت إسبانيا [التي ستبتعد لاحقاً عن حركة التحرير الجزائرية]، بعد يوغوسلافيا وسويسرا، أكثر البلدان ترحيباً بنا”.
وفي العام نفسه، ألقى السيناتور الأميركي والذي أصبح لاحقا رئيسا للولايات المتحدة جون كينيدي خطاباً لافتاً هاجم فيه دعم بلاده لفرنسا وأعلن فيه تأييده لاستقلال الجزائر.
إنّ هذا التنوّع في القوى التي ساندت استقلال الجزائر – من إسبانيا الفرانكوية إلى يوغوسلافيا التِّيتية، مروراً بسويسرا المحايدة ورئيس أميركي ديمقراطي مستقبلي – سيُترجَم لاحقاً في السياسة الخارجية للجزائر المستقلة إلى شراكات “في جميع الاتجاهات”، لتكون موسكو واحدة من بين هؤلاء الشركاء، كشريك بارز لكن ليس الوحيد.
وقد ورثت السلطة الجزائرية بعد الاستقلال عن حركة التحرير كلا من السرية السياسية (المبالغة في التكتم)، والمرونة الدبلوماسية (القدرة على استمالة أطراف مختلفة ومتباينة).
في أواخر سنوات 1950، لم يبرز الاتحاد السوفييتي -رغم موقفه الداعم وبقوة، للرئيس المصري جمال عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 – بصفته أكبر داعم لاستقلال الجزائر. بل على العكس، بدا موقف موسكو آنذاك معتدلاً نسبياً، حيث كان يميل إلى تفضيل حل تفاوضي فرنسي-جزائري. ولم يتخذ الاتحاد السوفييتي موقفاً واضحاً بدعم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA) إلا في أكتوبر 1960، حيث جاء ذلك بحكم الأمر الواقع وبعد عامين من اعتراف بكين بها. وقد استمر هذا التردد حتى بعد استقلال الجزائر سنة 1962. ويُقال إن نيكيتا خروتشوف قال للرئيس الأول للجزائر المستقلة أحمد بن بلة: “لن يكون بمقدورنا تحمّل وجود كوبا ثانية؛ لديكم شريك جيد، الجنرال ديغول، فاحتفظوا به!”
وفعليا، وبالرغم من العلاقات المتوترة نسبياً بين الجزائر وواشنطن – التي وصلت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين عامي 1967 و1974 بسبب حرب 1967- لم يكن هواري بومدين (1965-1978) مستعداً لأن يرمي الجزائر بالكامل في الحضن السوفييتي، حتى بعد التقارب الذي حصل خلال عهد أحمد بن بلة، خاصة على الصعيد العسكري، والذي تجسّد في اتفاق عسكري سنة 1963. وفي الوقت نفسه، وبينما كان المئات من الضباط الجزائريين يتلقون تدريبهم في مدرسة سان سير العسكرية، كانت التعاونات العسكرية الفرنسية-الجزائرية تتعزز ابتداءً من سنة 1968، سواء في مجال التنظيم أو في تسليم المعدات العسكرية.
من الجانب الجزائري، يمكن القول إنّ هذه السياسة كانت استراتيجية تنويع تقوم على مبدأ “عدم الانحياز”. غير أن هذا التنويع لا يجب أن يُخفي الهيمنة السوفييتية الواضحة في المجال العسكري. فبحسب السلطات العسكرية الفرنسية، فإن بومدين –حين كان وزيراً للدفاع – قد حصل من موسكو سنة 1963 على قروض بقيمة 1,1 مليار فرنك (أي ما يعادل نحو 1,7 مليار يورو) مخصّصة لتوريد معدات عسكرية.
ووفقاً للمصادر الفرنسية نفسها، فإن قيمة المعدات التي سلّمها الاتحاد السوفييتي للجزائر بين الاستقلال سنة 1962 وأفريل 1967 بلغت نحو 1,64 مليار فرنك، أي ما يعادل تقريباً 2,3 مليار يورو. ولم يتم إعادة النظر في هذا الارتباط خلال العقود اللاحقة، وهو ما مكن روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي من الاستفادة منه واستثماره بذكاء.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان 90 % من العتاد العسكري الجزائري من مصدر سوفييتي. وإضافة إلى تسليم الأسلحة والمعدات العسكرية، ساهمت موسكو في تطوير القطاع المنجمي في الجزائر، وفتحت مراكزها التكوينية وجامعاتها أمام الطلبة الجزائريين – إلى جانب طلبة أفارقة وعرب آخرين. وقد استفاد عدد كبير من الإطارات والمهندسين والضباط الجزائريين في الجمهورية الفتية من تكوين سوفييتي، الأمر الذي أدى أيضاً إلى روابط زواجية (زواج مختلط) وثقافية بين الجانبين. أما اليوم، ورغم أن الجامعات السوفييتية ظلت مفتوحة أمام الطلبة العرب والأفارقة إلى غاية سقوط الاتحاد السوفييتي، فإن آثار هذا النفوذ – الذي أصبح ينافسه النفوذ الفرنسي والأنجلوساكسوني – باتت محدودة جداً.
كما أن الإطارات المتخرّجة من الجامعات السوفيتية ليست دائماً الأكثر تقديراً أو حضوراً. فعلى سبيل المثال، في قطاع الطاقة، وبشكل خاص داخل مجمع سوناطراك الذي تأسس سنة 1963، كثيراً ما يُسند منصب الرئاسة إلى مهندسين تكونوا في الجامعات الأميركية.
غير أن الإطارات المتخرّجة من الاتحاد السوفييتي ما تزال ممثَّلة بقوة داخل هيئة أركان الجيش. فرئيس أركان الجيش الحالي، السعيد شنقريحة، تلقى تكوينه في الأكاديمية العسكرية الروسية “فوروشيلوف” خلال سبعينيات القرن الماضي. أما سلفه، الفريق أحمد قايد صالح – الذي تُوفي في نهاية سنة 2019، وكان الرجل الأقوى في السلطة الجزائرية بعد الأشهر الأولى من الحراك الشعبي ومهندس إزاحة عبد العزيز بوتفليقة الذي كان مقرباً منه – فقد تلقى هو الآخر تكوينه في الاتحاد السوفييتي. كما ينطبق الأمر ذاته على اللواء علي غديري، المدير السابق للموارد البشرية بوزارة الدفاع، الذي سُجن من عام 2019 إلى 2025 بتهمة “إضعاف معنويات الجيش”، بعدما حاول – حسب تعبيره – “تحدي النظام” عبر ترشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية. ومن بين جميع مراكز السلطة في الجزائر، يبقى الجيش – وهو المركز الأقوى بينها – المجال الذي يستمر فيه النفوذ الروسي بشكل واضح ومع ذلك، منذ نهاية الحرب الباردة، برزت تأثيرات أخرى – وفي مقدمتها النفوذ الأمريكي – تنافس هذا الحضور الروسي.
منذ بداية 2000، يمكن القول إن العلاقات بين البلدين قد تعزّزت وتوطدت، وذلك بعد الأزمات الكبرى التي مرّ بها كلٌّ منهما خلال تسعينيات القرن الماضي. إن تطور السياق الدولي – سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي – إلى جانب التحولات الداخلية في كلا البلدين، ووجود تصورات ومصالح وردود فعل مشتركة وعوامل أخرى، يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحليل العلاقات بين الجزائر وروسيا.
لقد أكدت الحرب في أوكرانيا، والأزمة في الساحل الإفريقي، وحالة عدم الاستقرار والتفكك في ليبيا، والإبادة الجماعية الجارية في غزة مؤخراً، على مرونة العلاقات بين البلدين. فمن وجهة نظر موسكو، لا تختزل منطقة شمال إفريقيا في شراكتها مع الجزائر فقط. إذ إن تعميق العلاقات الاقتصادية الروسية-المغربية، والمواقف التي اتخذتها روسيا في كل من ليبيا ومالي – من خلال دعمها خصمين واضحين للجزائر، هما خليفة حفتر والمجلس العسكري الحاكم في باماكو منذ عام 2021- تشهد على ذلك. أما من جانب الجزائر، فعلى الرغم من أنها لم تدِر ظهرها لروسيا بعد غزو أوكرانيا، فإن الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل – بما في ذلك دعمها للعمليات الجارية في الشرق الأوسط – لا يؤثر على التعاون الجزائري-الأمريكي في المجالين العسكري والاقتصادي.
التحول في سنوات 2000
عرفت روسيا والجزائر خلال الفترة الممتدة بين التسعينيات وبداية الألفية الثانية مسارات متشابهة إلى حدٍّ ما، رغم اختلاف السياقات. فمع سقوط الاتحاد السوفييتي، كانت الجزائر تغرق في أزمة عميقة سرعان ما تحوّلت إلى عشرية دموية. وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي تخوض حربها في الشيشان تحت شعار مكافحة الإسلام السياسي والإرهاب، كانت الجزائر بدورها غارقة في “العشرية السوداء” التي امتزجت فيها المواجهات بين الجيش والجماعات الإسلامية المسلحة بـمجازر مروعة ضد المدنيين. وفي بداية الألفية الجديدة، كانت كلٌّ من روسيا والجزائر قد بدأت طيّ صفحة “الحروب الأهلية” تدريجياً، لتجد كل منهما نفسها تحت قيادة رئيس جديد: فلاديمير بوتين في روسيا وعبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، وفي ظل أنظمة تجمع بين الأوليغارشيات الرسمية وأجهزة الأمن والاستخبارات.
أخيراً، ومع مرور سنوات 2000، استفاد البلدان معاً من ارتفاع أسعار المحروقات، الأمر الذي ساهم في تعزيز علاقتهما القائمة على معادلة المزوّد والزبون.
“في عقائد السياسة الخارجية لكلٍّ من البلدين، لا تؤمن لا الجزائر ولا روسيا بـمنطق “التكتلات”. ورغم وجود بعض المبادئ العامة وخصوصاً مصالح مشتركة تُوجّه السياستين الخارجيتين للبلدين، فإن كلاً منهما يسعى في الوقت نفسه إلى تطوير شراكات أخرى مستقلة عن العلاقة الروسية–الجزائرية.”
رؤى وتمثّلات مشتركة
بعيداً عن الإرث التاريخي للعلاقات الجزائرية–السوفييتية الذي أُشير إليه سابقاً، نجد أنّ الجزائر وروسيا في عالم ما بعد الحرب الباردة تتبنيان مفهوماً مشتركاً للسياسة الخارجية، سواء من حيث الدلالات والمفاهيم. فكلا البلدين يمنح أهمية كبرى لمبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما يشددان على فكرة عالم متعدد الأقطاب، كما يستخدمان الخطاب الأمني نفسه تقريباً. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تأثرت السلطتان في موسكو والجزائر بتداعيات الجهاد العابر للحدود في أفغانستان؛ إذ ظهر ما يُعرف بـ”قدامى أفغانستان” (أي الجهاديين الذين قاتلوا الجيش الأحمر في الثمانينيات) في كلٍّ من الشيشان والجزائر.
مع هجمات 11 سبتمبر 2001، وجد كلٌّ من السلطتين الجزائرية والروسية نفسيهما مدعومتين في طرحهما القائم على مكافحة الإرهاب. فتعامل البلدان مع هذا الحدث بالطريقة نفسها على الساحة الدولية. ففي التسعينيات، كان المجتمع الدولي ينظر بنظرة سلبية إلى السلطة الجزائرية، كما أن الجيش الجزائري عانى من حظرٍ على توريد السلاح. غير أنه بعد عام 2001، سعت كلٌّ من الجزائر وموسكو – التي كانت بدورها تتعرض للانتقادات بسبب حربها في الشيشان – إلى الظهور كفاعلين، بل كشركاء لواشنطن، في الحرب على الإرهاب.
شراكات مرنة بدلا من التحالفات والتكتلات
ومع ذلك، لم تجعل موسكو من الجزائر شريكاً مميزاً منذ بداية سنوات 2000. فقد كان التركيز خلال العهدة الأولى لفلاديمير بوتين (2000–2004) موجهاً أكثر نحو الولايات المتحدة وأوروبا، ولم يبدأ بوتين حملته الدبلوماسية في في العالم العربي إلا خلال عهدته الثانية (2004-2008). وتُعد زيارة فلاديمير بوتين إلى الجزائر عام 2006 حدثاً ذا دلالة خاصة، لأنها جاءت بعد نحو ثلاثين سنة من آخر زيارة قام بها زعيم سوفييتي. وفي إطار ما يُعرف بـ (l’économisation) للسياسة الخارجية الروسية، أعلن الرئيس الروسي خلال هذه الزيارة عن شطب الدَّين الجزائري البالغ 4,7 مليارات دولار. وفي المقابل، التزمت الجزائر بإنفاق نحو 7,5 مليارات دولار على شراء أسلحة روسية.
هذه العلاقة المميّزة بين الجزائر وروسيا ليست تحالفاً ملزِما. في عقائد السياسة الخارجية لكلٍّ من البلدين، لا تؤمن لا الجزائر ولا روسيا بـمنطق “التكتلات”. ورغم وجود بعض المبادئ العامة وخصوصاً مصالح مشتركة تُوجّه السياستين الخارجيتين للبلدين، فإن كلاً منهما يسعى في الوقت نفسه إلى تطوير شراكات أخرى مستقلة عن العلاقة الروسية–الجزائرية. ولنأخذ مثالين حديثين نسبياً: في ليبيا، لم يتبنَّ النظام الجزائري موقف موسكو الداعم لـخليفة حفتر. وفي أوكرانيا، لم تتخل الجزائر عن موسكو، لكن مع تدهور العلاقات الروسية–الأمريكية عقب غزو أوكرانيا، سعى القادة الجزائريون إلى طمأنة نظرائهم الأمريكيين.
مع إعادة انتخاب دونالد ترامب، لم تعد مسألة الموازنة بين القوتين الأمريكية والروسية تُطرح بالصيغ نفسها كما في السابق، إذ ما زالت الشكوك قائمة حول طبيعة العلاقة الروسية–الأمريكية، كما أن احتمال “تطبيع” العلاقات بين القوتين قد يُفضي إلى انعكاسات مختلفة على شركائهما.
ومع ذلك، يظل هناك عامل أساسي قائما: وهو أن الجزائر تسعى إلى الحفاظ على علاقات متينة مع كلتا القوتين، رغم ما بينهما من تناقضات وصراعات، وكذلك رغم الخلافات بين الجزائر والشركاء المقرّبين للقوتين في منطقة المتوسط وشمال إفريقيا (أي إسرائيل والمغرب بالنسبة لواشنطن، ومعسكر حفتر في ليبيا والمجلس العسكري في مالي بالنسبة لموسكو.)
لجوء روسيا لفاعلين غير حكوميين في جوارها المباشر (مثل مرتزقة مجموعة فاغنر)، رغم خطابها السيادي والمتمحور حول الدولة، قد شكّل مصدر قلق للسلطات الجزائرية. غير أن استبدال مجموعة فاغنر بـ”فيلق إفريقيا” في مالي، وهي قوات ترتبط رسميًا أكثر بالجيش الروسي، قد يكون من شأنه طمأنة الجزائر. لكن الصعوبة الرئيسية التي تواجهها الجزائر والمنطقة ككل تتجاوز هذه المسألة بكثير. ففي الواقع، المنطقة المغاربية، وعلى الرغم من وجود قوتين تطمحان إلى لعب دور القوة الإقليمية (الجزائر والمغرب)، وبسبب غياب التكامل الإقليمي، تعد منطقة شديدة الانفتاح على القوى الخارجية: من التطبيع المغربي-الإسرائيلي (الذي يُعد عاملًا لعدم الاستقرار الإقليمي والوطني بسبب الرفض الشعبي لإسرائيل)، إلى تعزيز الحضور الروسي في منطقة الساحل، مرورًا بتنامي النفوذ التركي.
المضمون المادي للعلاقة الثنائية
على الصعيد الاقتصادي، تكشف العلاقة الروسية-الجزائرية بشكل أساسي عن هشاشة الاقتصاد الجزائري وعن حدود الشراكة بين البلدين.
التبادلات التجارية بين روسيا والمنطقة المغاربية
من خلال تحليل مجمل التبادلات التجارية بين روسيا والمنطقة المغاربية حتى عام 2021، يتضح الطابع الأحادي للعلاقات الاقتصادية الروسية-الجزائرية.
| السنة◄
الشريك |
2000 | 2010 | 2021 | |||
|---|---|---|---|---|---|---|
| صادرات روسية |
واردات روسية |
صادرات روسية |
واردات روسية |
صادرات روسية |
واردات روسية |
|
| الجزائر | 119,6 | 7 | 1 269,6 | 26,1 | 2 989,4 | 18,3 |
| المغرب | 61,1 | 59,2 | 558,2 | 374 | 1 213,9 | 435,6 |
| تونس | 93,3 | 4,5 | 440,4 | 89,6 | 333 | 145,9 |
بيانات قاعدة (L’UN Comtrade Database) كما وردت في التقارير الصادرة عن الحكومة الروسية، بملايين الدولارات الأمريكية
تُتيح هذه الأرقام استخلاص عدة استنتاجات. أولاً، على مستوى المنطقة المغاربية، تُعَدّ الجزائر بلا شك الزبون الرئيسي لروسيا. ثانيًا، خلال عشرين سنة، يُثير تطور العلاقات التجارية بين روسيا والمغرب اهتمامًا لا يقل أهمية عن تلك بين روسيا والجزائر. ففي عام 2021، تجاوزت المبادلات التجارية بين موسكو والرباط 1.6 مليار دولار، بعدما كانت شبه منعدمة قبل عشرين عامًا. وأخيرًا، عند التركيز على الواردات الروسية، يتبيّن أن صادرات الجزائر قليلة جدًا. ففي عام 2021، بلغت الصادرات المغربية إلى روسيا أكثر من عشرين مرة الصادرات الجزائرية، وثمانية أضعاف في حالة تونس. ولا يقتصر تفوق تونس والمغرب على تصدير منتجات زراعية أكثر بكثير (وخاصة الفواكه) من الجزائر، بل إنهما يُصدّران أيضًا بعض المنتجات الصناعية.
بالنسبة لروسيا، تُعَدّ الجزائر قبل كل شيء زبونًا، وزبونًا نهمًا في مجال المعدات العسكرية، ولكن ليس في هذا المجال فقط. فعلى الصعيد الزراعي، تتقاسم الجزائر مع جيرانها المخاوف نفسها فيما يتعلق بالأمن الغذائي.
إذ تُعدّ التحولات الديموغرافية، والتغير المناخي، والحرب في أوكرانيا (حيث تُعد كل من روسيا وأوكرانيا من كبار مصدّري القمح اللين) من أبرز مصادر القلق. وكما هو الحال في المغرب، تُعدّ الجزائر من كبار مستوردي القمح الروسي، وطالما أن عملية الشحن ممكنة – خصوصًا بفضل الوساطة التركية – فلا يبدو أن الحرب في أوكرانيا غيّرت من استراتيجية تنويع مصادر الإمداد (وذلك على حساب القمح الفرنسي). ووفقًا لوكالة الأنباء الروسية “إنترفاكس”، فقد رفعت الجزائر تقريبًا حجم وارداتها من القمح الروسي سنة 2022 بمقدار أربع مرات، لتبلغ 1.3 مليون طن مقابل 330 ألف طن سنة 2021.
إن هذا الاعتماد على قمح البحر الأسود يُعدّ رهانًا جغرافيًا وجيوسياسيًا في الوقت نفسه، كما يكشف عن شكلٍ من أشكال الهشاشة. ومع ذلك، لا تختلف الجزائر كثيرًا عن جارتها المغرب في هذا الجانب، إذ يُعدّ المغرب هو الآخر من كبار مستوردي القمح الروسي.
الجزائر: سوقٌ كبيرٌ للسلاح الروسي
في ملفّ نقل الأسلحة، نعتمد هنا على بيانات المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم (SIPRI) . لقد تميّزت الفترة ما بين 2018 و2022 بانخفاضٍ حادّ في واردات الجزائر من الأسلحة (بنسبة -58 % مقارنة بالفترة 2013-2017). غير أن الزيادة الكبيرة في الميزانية المخصَّصة للدفاع من قبل السلطات الجزائرية (والتي تجاوزت 22 مليار دولار سنة 2023، أي أكثر من ضعف ميزانية عام 2022)، تُتيح قراءة أكثر توازناً لهذا التراجع المؤقت.
خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2019، كانت الجزائر سادس أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وثالث أكبر زبون لروسيا بعد الهند والصين. وإذا ما نظرنا إلى عمليات نقل الأسلحة – استنادًا دائمًا إلى بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) – خلال فترة عشرين عامًا، من 2002 إلى 2022، نكتشف أن نحو 76 % من واردات الجزائر كانت من روسيا.
صحيح أن هذا المستوى أقل من نسبة 90 % المسجَّلة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، غير أن جهود التنويع ظلّت محدودة حتى الآن. ومع ذلك، في حين أن الحرب في أوكرانيا لا تمنع روسيا من أن تظلّ مُورّدًا رئيسيًا للقمح في المنطقة (ارتفاع واردات القمح الروسي في كل من المغرب والجزائر ومصر…)، فإن تساؤلات عديدة تُطرح حول صناعتها العسكرية، (التي أضعفت صادراتها بفعل “استهلاك” المعدات في زمن الحرب وبسبب العقوبات المفروضة عليها). وبالمقارنة مع الفترة 2014-2018، تراجعت الصادرات الروسية بأكثر من 50 % خلال الفترة 2019-2023.
وخلال هذه المدة، بقيت روسيا المزوّد الرئيسي للأسلحة إلى الجزائر (بنسبة 48 % من واردات الجزائر، متقدمة بفارق كبير على كلٍّ من ألمانيا والصين).
حتى الآن، لا تزال تبعية الجزائر للصناعة العسكرية الروسية قائمة بوضوح، وبعض الإعلانات الحديثة — مثل صفقة شراء طائرات روسية مقاتلة شبحية من طراز Su-57 — تؤكد استمرار هذا التوجّه. واليوم، وبصرف النظر عن فكرة التنويع، فإن هذه العلاقة تعتمد إلى حدٍّ كبير على قدرات الصناعة العسكرية الروسية على التصدير، وبالتالي تعتمد أيضا على تطوّر الصراع في أوكرانيا.
القضية الطاقوية
في ملف الطاقة، هناك ثلاث نقاط تستحق أن نشير إليها. أولًا، وهي تتجاوز حدود العلاقة الروسية الجزائرية، وتتعلق بعلاقات موسكو مع منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك). فبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، كان التوافق هو السائد، إذ أبدت أوبك، بقيادة المملكة العربية السعودية، رغبة واضحة في مقاومة الضغوط الأمريكية، وقد جسّد قرارَ خفض إنتاج النفط في أكتوبر 2022 هذا التوجّه.
“في عام 2019، عندما جاء الحراك الشعبي ليُربك السلطة الجزائرية ويُسرّع برحيل عبد العزيز بوتفليقة، لم تُظهر موسكو تميّزًا واضحًا على الساحة الدولية. صحيح أن القادة الجزائريين تمكنوا من الاعتماد على نوع من التفهّم من نظرائهم الروس، غير أن هذا الدعم اقتصر على الحد الأدنى.”
ثانيًا، يتعلق الأمر بالقدرات الحقيقية للجزائر على أن تحلّ محلّ روسيا كمورّد رئيسي للغاز إلى أوروبا. فمستوى الطلب الداخلي المرتفع في الجزائر، إلى جانب القدرات المحدودة للإنتاج، يُذكّران بحدود هذه الفرضية، حتى وإن سُجّلت زيادة كبيرة في إمدادات الغاز الجزائري نحو أوروبا، ولا سيما نحو إيطاليا، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وأخيرًا، تتعلق النقطة الثالثة بالشريك الرئيسي الذي يبدو أن الجزائر تعتمد عليه لمعالجة المشكلة المذكورة سابقًا، أي مسألة القدرات المحدودة على الإنتاج. فبعد أن عدّلت الجزائر تشريعاتها بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية (التي يُفترض أن تُتيح استكشاف احتياطات جديدة من النفط والغاز)، يبدو أن الحكومة الجزائرية تُولي اهتمامًا خاصًا بالشركات الأمريكية. خلال لقاء جمع وزير الطاقة والمناجم الجزائري بسفيرة الولايات المتحدة في أفريل 2022، شدّد الوزير على «فرص الاستثمار والشراكة التي يوفّرها القطاع، خاصة في مجالات الاستكشاف والتطوير واستغلال المحروقات»، معربًا عن أمله في أن «تشارك الشركات الأمريكية في المناقصات القادمة التي سيُطلقها القطاع قريبًا، وأن تستفيد من المزايا التي تمنحها القوانين الجديدة الخاصة بالمحروقات.
الدروس الكبرى المستخلصة من الحراك ومن الحرب في أوكرانيا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية
تُظهر مختلف المحاور التي تم التطرق إليها حتى الآن طبيعة الشراكة الروسية الجزائرية، التي تتميّز بالصلابة من جهة، لكنها غير متكافئة ومحدودة من جهة أخرى.
في عام 2019، عندما جاء الحراك الشعبي ليُربك السلطة الجزائرية ويُسرّع برحيل عبد العزيز بوتفليقة، لم تُظهر موسكو تميّزًا واضحًا على الساحة الدولية. صحيح أن القادة الجزائريين تمكنوا من الاعتماد على نوع من التفهّم من نظرائهم الروس، غير أن هذا الدعم اقتصر على الحد الأدنى. في البداية، لأن الإبقاء على رئيس شبه عاجز لم يكن ليُثير حماسة كبيرة، ثم لأن السلطة الجزائرية استطاعت أن تستفيد من تفهّم جميع القوى العالمية والأوروبية تقريبًا. وفي سياق مختلف تمامًا عن سياق “الربيع العربي”، حيث يطمئن الاستبداد والسلطات العسكرية — المرتبطين فكرة “الاستقرار” في رؤية قصيرة المدى — كثيرًا من القادة حول العالم، تماهت موسكو مع الاستراتيجية المضادة للثورات التي انتهجها النظام العسكري الجزائري، والمتمثلة في خنق الحراك الشعبي، تمامًا كما فعلت واشنطن وباريس وبكين وأنقرة.
وبعبارة أخرى، وعلى خلاف النظام السوري مثلًا، لم يكن النظام الجزائري بحاجة إلى دعم قوّةٍ بعينها، بل كان بإمكانه الاعتماد على دعم جميع القوى. وبالمثل، عندما غزت روسيا أوكرانيا، اصطدمت بتضامنٍ نسبي من حلف شمال الأطلسي (إلى حدٍّ معين) مع كييف، لكنها لاحظت في المقابل أنه في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والعالم العربي، لم يُدر شركاؤها المعتادون — حتى أولئك الأقرب إلى واشنطن — ظهورهم لها.
في هذا الصدد، لم تتميّز الجزائر كثيرًا عن المغرب (فقد انتهج كلا البلدين نفس السلوك داخل الهيئات الأممية تجاه الهجوم الروسي)، وهذا على سبيل المثال. السياق الحالي يُعدّ مناسبًا لأنظمة الحكم السلطوية — وهي كثيرة بما يكفي لنيل رضا موسكو وواشنطن في الوقت نفسه — وكذلك للشراكات المرنة.
في نهاية المطاف، يبدو أن السلطة الغامضة في الجزائر (نظام مبهم، غير قابل للقراءة، غير قابل للفهم) قد نجحت في إنجاز ثورتها المضادة، لكنها تبدو واعية بوجود عقبتين أساسيتين قد تُوجهان سلوكها تجاه القوى الكبرى: غياب الشرعية الديمقراطية وغياب الاستقرار الإقليمي.
وفي ظل هذه الظروف، فإن الشرعية الخارجية — التي تهدف إلى تعويض غياب الشرعية الديمقراطية — تستند إلى مصدرين رئيسيين: الأول هو عقدة الحصار (عقلية المُحاصَر) والتي تؤكدها أحداث معينة، مثل التقارب الإسرائيلي-المغربي، والتوتر مع مالي، والتصعيد الفرنسي-الجزائري؛ أما الثاني فهو سياسة مهادنة مع جميع القوى الكبرى البعيدة. فمع واشنطن، تحافظ الجزائر على الحوار العسكري المشترك (كما رأينا في ديسمبر 2023)، رغم التحالف الأمريكي-الإسرائيلي الفاعل في غزة. ومع موسكو، تسعى إلى مواصلة العلاقات الثنائية بالرغم من أنشطة مجموعة “فاغنر” في ليبيا ومالي. لقد كانت الحرب الباردة تمنح هامشًا من المناورة — وهو ما عُرف آنذاك بـ”عدم الانحياز” — أما السياق الحالي، فهو سياق التكيّف المتعدد والزبونية المتنوعة.

