“العربي”: عندما يتحول الصمت إلى حكاية. مقابلة مع المخرج مالك بن إسماعيل

بين الذاكرة الاستعمارية والعشرية السوداء ومعركة السرديات، يعود المخرج للحديث عن فيلم يفحص المسكوت عنه في التاريخ الجزائري والطريقة التي تشكل بها الروايات السائدة منظورنا.

الملصق الرسمي للفيلم

 

 أجرت هذا الحوار كهينة رجالة.

 

بعد عرضه الأول في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، ثم في مهرجان موسكو السينمائي الدولي، وفوزه بجائزة في مهرجان MOOOV السينمائي، وقرب عرضه في مهرجان سيدني السينمائي، يُعيد فيلم “العربي” قراءة رواية “الغريب” من منظور “مورسو، تحقيق مضاد”. بين الذاكرة الاستعمارية، والعشرية السوداء، وصراع الروايات، يعود المخرج للحديث عن فيلم يُسلّط الضوء على المسكوت عنه في التاريخ الجزائري، وكيف تُشكّل الروايات السائدة رؤيتنا.

 

إن البدء باقتباس حر من كتاب “مورسو، تحقيق مضاد” يعني الدخول في حوار مع رواية “الغريب” لكامو. كيف تعاملت مع هذا البعد كمخرج؟

كنت أعلم أنني عندما أقترب من رواية كامل داود، لا يمكنني تجنب شبح كامو. فالغريب نصٌّ محوري، بالغ التأثير، ولكنه أيضاً يفتقر إلى التوازن على نحو صارخ: رجل يقتل “عربياً” مجهولاً على شاطئ البحر، وتبقى هذه الشخصية مجرد ظل، ووظيفة سردية أكثر منها وجوداً حقيقياً.

مع فيلم “العربي”، لم أكن أسعى إلى “تصحيح” كامو، ولا إلى محاكمته بأثر رجعي. كان هدفي بالأحرى مواصلة عملي كمخرج، ولكن هذه المرة باستخدام أدوات السرد الروائي، مستلهما رواية “مورسو، تحقيق مضاد”، لطرح سؤال بسيط: ما الذي يتغير إذا بدأنا من الجانب الآخر؟ إن إعطاء هذا الأخ، موسى، اسمًا، والاستماع إلى صوت هارون، ومواجهة الخيال الروائي بالذاكرة الجزائرية، هو طريقةً لتحويل مركز ثقل الحكاية، والانتقال من منظور استعماري إلى خطاب ما بعد استعماري. أردتُ أن أربك التعقيد الوجودي لكامو، وأن أواجه أشكال العنف التي طبعت تاريخنا عبر العصور، وأن أطرحها موضع تساؤل.

 

في هذا الفيلم، جعلت التاريخ الاستعماري يتقاطع مع التاريخ الأحدث للعشرية السوداء، ما الرابط العميق الذي أردت إبرازه بين هاتين الفترتين؟

لا يمكن سرد تاريخ الجزائر في حلقات منفصلة: 132 عامًا من الاستعمار، وحرب الاستقلال، ثم العشرية السوداء من التسعينيات، كلها طبقات تتراكم على الأجساد والوجدان. من خلال تتبع هارون حتى التسعينيات، يحاول الفيلم إظهار أن العنف لا يختفي مع الاستقلال، بل يعيد التشكل، ويغير وجهه.

يكمن الرابط الأساسي في مسألة الذاكرة المجروحة ومصادرة الكلمة. في كلٍّ من الرواية والفيلم، تُصبح الأم تجسيدا رمزيا للوطن: جسدٌ ينتظر ابنًا مفقودًا، جسدٌ يرفض أن يطمس تاريخه. من خلال ربط جريمة قتل موسى في الحقبة الاستعمارية باغتيالات العشرية السوداء، أحاول أن أوضح أن الأسئلة نفسها تطفو على السطح: من له الحق في كتابة التاريخ؟ من يُعطي اسمًا، ومن يبقى مجهولًا في الرواية الوطنية؟

 

هل شخصية “العربي”، التي ظلت طويلا بلا اسم، هي طريقتك في التشكيك في الروايات السائدة؟

نعم، بكل وضوح. إن تكرار كامو لعبارة “العربي”، كما فعل بن بلة عند الاستقلال بشعار “نحن عرب! نحن عرب!”، بوصفه لفظا عاما، أصبح رمزًا لنظرة شاملة للعالم: اختزال الآخر إلى مجرد فئة، إلى وظيفة. وبإعادة استخدامي لهذا العنوان، “العربي”، أتبنى خيارا ملتبسا: لأقلب دلالته، وأسلبه عنفه الأصلي، وأُكشف حدوده.

إن تسمية موسى، ومنح الفرصة لهارون لسرد قصة مطولة، بمثابة تذكير لنا بأن وراء كل “شخصية” نمطية – العربي، المهاجر، الإنسان – تكمن مصائر فردية، وتناقضات، ومناطق غامضة. يشكك الفيلم في الروايات السائدة، سواء أكانت استعمارية أم ما بعد الاستقلال، لا ليؤسس أسطورة مضادة منتصرة، بل ليتيح المجال للتعقيد بالدخول حيث لم يكن هناك سوى كلمة واحدة.

 

بعد مسيرة مهنية مكرسة بالكامل للأفلام الوثائقية، ما الذي دفعك إلى خوض غمار الأفلام الروائية من خلال هذا الفيلم الروائي الأول؟

لسنوات، صوّرتُ الجزائر كما هي في الحاضر، مستخدماً أدوات الأفلام الوثائقية، لأني أؤمن بأن تصوير الواقع وسيلة لمقاومة الأساطير الجاهزة، مع من أصورهم أنفسهم. لكن بعض القصص لا يكتفي فيها مجرد التسجيل: فهي تتطلب صياغة، والالتفاف عبر الخيال، وعبر الصياغة الفنية، وعبر الممثلين.

عندما قرأت نص كمال داود، شعرت أنه فتح لي فضاء تخيليا جديدا، يمد بذلك نطاق عملي الوثائقي: فنحن نبقى ضمن نطاق البحث السياسي والتاريخي، ولكننا نفعل ذلك من خلال الحكاية، ومن خلال حكاية تتجسد في شخصيات، ومن خلال أداء الممثلين. لقد أتاح لي التخييل استكشاف المسكوت عنه، والابتكار حيث تصمت الأرشيفات.

 

كيف كانت تجربتك في الانتقال من الواقعية الوثائقية إلى الخيال السينمائي؟

لم أعش ذلك على أنه انقطاع مفاجئ، بل على أنه تحول تدريجي. ظل حس صانع الأفلام الوثائقية حاضرا لدي بقوة: العمل على المواقع، وعلى الوجوه، وعلى الايقاع الزمني الطويل، وعلى الصمت، وعلى الموسيقى – كل هذا يطبع إخراج فيلم “العربي”.

يكمن الاختلاف الرئيسي في أنني في الأعمال الروائية أتحمل مسؤولية كل ما يقع ضمن إطار الصورة. لم يعد بإمكاني “الاختباء” وراء عفوية الواقع. عليّ أن أتحمل مسؤولية الخيارات، والحذف السردي، والرموز. ومن المفارقات أن هذه الحرية التخييلية أجبرتني على أن أكون أكثر دقة. لقد حاولت الحفاظ على كثافة الواقع مع التسليم بقدرة السينما على الحلم، وإعادة ترتيب العلاقات، وإقامة حوار بين جريمة قتل وقعت عام 1942 وليالي وهران في التسعينيات.

 

صورة من موقع التصوير. أحمد بن عيسى، واقفاً مرتدياً قبعة، يؤدي دوره الأخير قبل وفاته في 20 ماي 2022

 

بعد دعوتكم للمشاركة في مهرجان عنابة، تم سحب فيلمكم من البرنامج. برأيكم، ما الذي دفع إلى اتخاذ هذا القرار؟

أُبلغتُ رسميًا برفض طلبي للحصول على “تأشيرة ثقافية”، دون أي توضيح مُفصّل. في الواقع، جاء سحب الفيلم من البرمجة متأخرًا جدًا، بعد الإعلان عن الفيلم ودعوة جميع أعضاء الفريق، مما يُشير بقوة إلى اتخاذ القرار خلف الكواليس. لم يعد بإمكاننا إلقاء اللوم على البيروقراطية وحدها. هذه ليست المرة الأولى التي أتعرض فيها للرقابة… ولكي نمضي بهدوء، قدّم مُنتجي طلبًا للحصول على رخصة استغلال إلى وزارة الثقافة. ونحن الآن بانتظار رد يسير في الاتجاه الصحيح.

يلامس فيلم “العربي” ملفات حساسة، سواء في الجزائر أو فرنسا. وقد أثار الفيلم ردود فعل حتى لدى بعض الموزعين الفرنسيين: فهو يعيد النظر في الذاكرة الاستعمارية، ويحاور أعمال كامو وداود، التي تثير بدورها جدلا في الجزائر وفرنسا، كما يُسائل التاريخ الحديث للعشرية السوداء. يُضاف إلى ذلك استعادة شخصية “العربي”، التي طالما اختُزلت إلى مجرد شخصية نمطية بلا اسم في المخيلة الغربية: هذه الازاحة لا تقتصر على القضية الجزائرية فحسب، بل تربك بشكل أوسع الطريقة التي تم بها تمثيل الآخر في الأدب والسينما.

وعلى نحو خفي، يتقاطع صدى الفيلم مع أوضاع استعمارية أو ما بعد استعمارية أخرى، بما في ذلك القضية الفلسطينية، التي يفضل الكثيرون إبقاءها على مسافة. وبالنظر إلى تاريخ الاستعمار في الجزائر، نلامس آليات للهيمنة والطمس والمقاومة تتجاوز إقليما واحدا، وهذا ما يُثير قلق أولئك الذين يفضلون بقاء هذه المقارنات طي الكتمان.

هذا التداخل يثير القلق. بعد أكثر من ستين عاماً على الاستقلال، بات من الواضح أن الطريقة التي لا يزال التاريخ يشد بها البلدين إلى بعضهما تدفع بعض الأطراف إلى تجنب الأعمال التي تجبرهم على طرح أسئلة غير مريحة حول السردية التي ينسجونها عن أنفسهم.

 

يبدأ فيلمك تحديداً من شخصية محكوم عليها بالصمت والطمس: كيف عشت أن الفيلم نفسه مُنع من العرض في الجزائر؟

هناك شيء مثير للسخرية بشكل رهيب، وفي الوقت نفسه مأساوي للغاية، في رؤية فيلم يعيد اسماً وصوتاً إلى “العربي”، ليجد نفسه وقد فرض عليه الصمت في بلده.

لقد شعرتُ بذلك كجرحٍ، بالطبع، ولكن أيضاً كتأكيدٍ على ضرورة الفيلم. فالرقابة لا تمحو الأعمال الفنية؛ إنها ببساطة تؤخر اللحظة التي تلتقي فيها بمجتمعها. وراء كل تأشيرة عرض مرفوضة سنواتٌ من العمل، وجمهورٌ محرومٌ من فرصة مواجهة تاريخه. هذا الرفض للمواجهة هو، في رأيي، لأكثر ما يبعث على القلق.

 

هلا حدثتنا عن الاستقبال الذي حظي به فيلم “العربي” في مختلف الأماكن التي عُرض فيها؟

كان العرض العالمي الأول في روتردام لحظةً مؤثرة: فقد اكتشف جمهور دولي واسع هذه القصة، المتجذرة في عالم كامو الأدبي والمتأثرة بشدة بالهوية الجزائرية، وأظهرت ردود الفعل أن مسألة “الشخصية بلا اسم” تتجاوز بكثير السياق الاستعماري الفرنسي. ثم جال الفيلم في العديد من المهرجانات والبلدان – في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وأستراليا – مُثيرًا نقاشات ثرية حول الذاكرة والأدب ومسؤولية الكيفية التي ننظر بها إلى الآخر.

أكثر ما ترك أثرا في نفسي هو سماعي للجمهور حين خروجهم من العرض يقولون إنهم لن يستطيعوا قراءة رواية “الغريب” بالطريقة نفسها بعد الآن، وأنهم يكتشفون أخيرًا معنى منح اسم وتاريخ وإنسانية لهذه الشخصية “العربية”. وقد لخص أحدهم الأمر خير تلخيص بوصفه الفيلم بأنه “فيلم بالغ الأهمية”، فهو لا يعيد قراءة كامو من منظور آخر فحسب، بل يسد أيضًا ثغرات النقاط العمياء الغربية، مُظهرًا كيف يمحو الاستعمار والروايات الرسمية ووسائل الإعلام المهيمنة حياة وأصوات من يعانون من العنف.

إذا نجح الفيلم على الأقل في هذا – تغيير طريقة النظر، وفتح ثغرة في سردية كان يُعتقد أنها جامدة – فإنه يكون قد وجد مكانه، حتى وإن كان لا يزال محروما من هذا المكان هنا أو هناك! المعركة مستمرة.