فكر رائدة النسوية في الجزائر المستقلة فضيلة مرابط من خلال كتابيها “المرأة الجزائرية” و”الجزائريات”

رائدة النسوية في الجزائر، دكتورة في علم الأحياء، مقدمة برامج إذاعية وكاتبة، توفيت فضيلة مرابط في 14 ماي الماضي في باريس عن عمر يناهز 90 عامًا. لقد نددت بالعنف ضد النساء في الجزائر ما بعد الاستعمار، على الرغم من مشاركتهن في النضال من أجل التحرر.

التقيت صدفة باسم فضيلة مرابط لأول مرة أثناء تصفحي رفوف مكتبة المعهد الفرنسي بالجزائر، وهذا بعد أن تجاوزت الثلاثينيات من عمري بقليل. ما إن فتحتُ الصفحات الأولى من كتابها حتى غمرني شعورٌ غريب: غضبٌ ممزوجٌ بحزنٍ. لماذا لم أسمع بهذا الإسم من قبل؟ لماذا لم يُخبرني أحدٌ أن امرأةً جزائريةً حملت القلم، منذ ستينيات القرن الماضي، لتتحدث عن وضع المرأة في بلادنا؟ لماذا، كجزائريين، نضطر باستمرارٍ إلى الإشارة إلى شخصياتٍ نسوية غربية، كما لو أن أصواتنا لم تكن موجودةً قط؟

أدركتُ أخيرًا أن هذا الغياب لم يكن إغفالًا عرضيًا، بل نتيجة محو متعمد. هُمّشت فضيلة مرابط، بل وحُذفت من المشهد الوطني لأنها تجرأت على الدفاع عن حقوق المرأة في مجتمع لا يزال أبويًا بامتياز. وقد أدى التزامها إلى نبذها، وهو صمتٌ مُفروضٌ يُفسر لماذا ظلت كلماتها بعيدة عن أنظار أبناء وبنات جيلي لفترة طويلة.
لا يهدف هذا النص إلى استعراض حياة فضيلة مرابط أو مسيرتها النضالية بالتفصيل، بل هو نظرة شخصية إلى ما أثّر فيّ بعمق في عملَيها الرئيسيين: “المرأة الجزائرية” (1965) و”الجزائريات” (1967). نصّان مؤسّسان وقويّان، قلّما يُقرآن اليوم، لكنهما أساسيّان لكلّ من يتساءل عن مكانة المرأة في الجزائر، بالأمس كما اليوم.

في مؤلف “المرأة الجزائرية”، تُقدّم فضيلة مرابط صورةً ثاقبةً للمجتمع الجزائري في عصرها، من خلال مقاربة اجتماعيةٍ عميقةٍ. فتُحلّل ببراعةٍ طريقةَ النظر إلى المرأة ومعاملتها، والتي غالبًا ما تُختزل في مجرد أشياء داخل المنزل وفي الأماكن العامة – وهو “تشييءٌ” صامتٌ ولكنه حاضرٌ في كل مكان. من خلال نظرتها النقدية، تُسائل أيضًا الرؤية السائدة للزواج، سواءً كان زواجًا داخليًا أم مختلطًا، وتستكشف العلاقات المعقدة بين الرجال والنساء في دائرتهم: سواء تعلق الأمر بزوجات، أو أمهات، أو أخوات، أو حتى نساء أجنبيات، فجميعهن يخضعن لتوقعات اجتماعية مختلفة، لكنها تشترك في كونها مُقيّدة لهن.

لكن مع صدور كتاب “الجزائريات” بعد عامين، تغير النهج قليلاً: إذ اتخذ العمل منحىً سياسياً أكثر. وبينما ظل التحليل السوسيولوجي حاضراً، فقد أتاح مجالاً أوسع للتأمل في المشروع الاشتراكي للجزائر المستقلة، والثورة المعلنة، والوعود غير المنجزة بشأن المساواة. هذا التغيير في المنظور لم يأت صدفة: إذ يمكن تفسيره كرد فعل على الانتقادات اللاذعة والهجمات الشخصية التي تعرضت لها الكاتبة بعد نشر كتابها الأول. اضطرت فضيلة مرابط إلى تبرير موقفها، فاختارت توسيع نطاق نهجها ليشمل تحليلاً أكثر شمولية للنظام السياسي القائم آنذاك، دون التخلي عن التزامها النسوي.

شهادة من أنتلجنسيا اليسار حول وضع المرأة

على عكس الأفكار المسبقة حول وضع المرأة في الجزائر في الماضي، تُقدّم فضيلة مرابط، من خلال كتاباتها، شهادةً قيّمةً على مكانة المرأة في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال. بعيدًا عن الرؤية الجامدة أو المثالية، حيث ترسم صورةً واضحةً وملتزمةً، تتناول مواضيع لم تُستكشف آنذاك.

كما تُسائل، على وجه الخصوص، التمثيلات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بـ”طبيعة” المرأة، التي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها سلبية، خاضعة، أو مُقدّرة بطبيعتها لأداء وظائف منزلية مُعينة. ومن خلال منظورها النقدي، تُتحدى هذه الصور النمطية المتجذرة.

تتناول فضيلة مرابط أيضا وبشجاعة قضية التحرش الجنسي، وهي ظاهرة يظن الكثيرون خطأً أنها حديثة العهد في الجزائر. وتُظهر أنها موجودة بالفعل، وإن كانت تُتجاهل إلى حد كبير، وأنها كانت تُشكل عائقًا حقيقيًا أمام تحرر المرأة والأزواج في المجال العام.
من القضايا المحورية الأخرى في كتابها “المرأة الجزائرية” العلاقات العاطفية بين الجزائريين والأوروبيين، وخاصةً الزيجات المختلطة. ومن خلال تناولها لهذا الموضوع الحساس، تُسلّط الضوء على التوترات الهوياتية والدينية والاجتماعية التي تكتنف هذه الزيجات في سياق ما بعد الاستعمار الذي لا يزال هشًا.

“وتختتم بجلاء أن هذا التقليد المُستخدَم هو في الواقع دفاع عن ممارسات عتيقة مثل الزواج القسري للفتيات الصغيرات جدًا، والطلاق غير القانوني للزوجات، وتعدد الزوجات، وغيرها من أشكال عدم المساواة الهيكلية.”

ولا تتردد فضيلة مرابط أيضًا في تناول مواضيع تعد من الطابوهات، مثل علاقة المرأة بجسدها، وجنسانيتها، واستحالة نجاح الكثيرات من النساء في الزواج التقليدي الذي غالبًا ما يكون مرادفًا للخضوع.
وأخيرًا، في كتابها الثاني، تُكرّس مكانًا محوريًا لإدانة الزواج القسري، وهي ممارسة شائعة نادرًا ما تُناقش علنًا. وقد أدى هذا الموقف إلى حظر برنامجها الإذاعي “مجلة الشباب”، (Magazine de la jeunesse) وهو دليل على التأثير المُقلق لتصريحاتها في المجال الإعلامي آنذاك.

من نكون؟

في عملها الثاني، الذي عنونته “الجزائريات”، تتناول فضيلة مرابط جوهر التحديات الأيديولوجية التي واجهتها الجزائر بعد الاستقلال: السؤال الجوهري المتعلق بالهوية الوطنية، أو بتعبير أدق، ما معنى أن تكون جزائريًا؟ حيث عملت على تفكيك الأفكار المسبقة والأفكار المبتذلة التي سادت خلال تلك الفترة حول هذه القضية، مُشككة بدقة في التعريفات السطحية والمتناقضة في كثير من الأحيان.

تبدأ بدراسة الفكرة السائدة القائلة بأن التطور الاجتماعي والسياسي يجب أن يكون بالضرورة في إطار احترام التقاليد. تُحلل فضيلة مرابط ما غطاه هذا المصطلح الغامض “التقاليد” تحديدًا في نظر الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في ذلك الوقت. وتختتم بجلاء أن هذا التقليد المُستخدَم هو في الواقع دفاع عن ممارسات عتيقة مثل الزواج القسري للفتيات الصغيرات جدًا، والطلاق غير القانوني للزوجات، وتعدد الزوجات، وغيرها من أشكال عدم المساواة الهيكلية. وهكذا، تؤكد أنه لا وجود لما يُسمى “التطور التقليدي”، مُنددة بوهم التغيير المُحتمل دون مراجعة حقيقية. وتكتب مشددة: “الحديث عن “تطور وفق تقاليدنا” يعني الادعاء بأنه يمكن للمرء أن يتغير دون أن يبتكر، أن يتحول دون أن يتبدل، أن يبقى هو نفسه من دون أن يكون كذلك، أو أن يكون ذاته من دون أن يَظل عليها!”

ثم تتناول فضيلة مرابط حجة أخرى كثيرا ما تتكرر: يجب أن يكون التطور متسقًا مع “الشخصية الجزائرية”. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم، على الرغم من كونه محوريًا في نقاشات الهوية، يصعب تعريفه بوضوح. فهو لا يقوم على الخصائص الجسدية، بل على المعايير الأخلاقية والثقافية. ولدعم فكرتها، تستند فضيلة إلى خطابات مفكرين مؤثرين في ذلك الوقت، مثل الهاشمي التيجاني ومالك بن نبي، الذين يؤكدان على الأهمية الحاسمة للدين الإسلامي في بناء هذه الشخصية الجزائرية. وقد دفع هذا الموقف بن نبي إلى القول إن “فانون افتقر إلى اللمسة التي تُحرك الروح الجزائرية… وللتحدث بلغة شعب، يجب مشاركة قناعاته: كان فانون ملحدًا”. يُبرز هذا الاقتباس صعوبة تعريف هوية جماعية دون الرجوع إلى الأسس الدينية والثقافية.

وأخيرًا، ترتكز أحدث محاولة لتعريف الجزائري على نفي الآخر، أي رفض أوروبا وقيمها، التي ينظر إليها على أنها مُنحلة وفاسدة. وهذا الموقف هو ما يُلهم المواقف الراديكالية للمجتمع الجزائري وهياكله السياسية، مثل الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، ضد الزواج المختلط. هذا الرفض، الذي يُقدّم على أنه دفاع وطني، تنتقده فضيلة مرابط بشدة: “أن نكون نحن أنفسنا، أليس معناه، أولًا، أن نكون ضد الآخر ـ العدو؟ غير أن العدو لم يعد موجودًا (أو بات في صورة أخرى)، وحين لا يكون البلد مهددًا بشكل واضح، تفقدُ القوميةُ فضائلها المنشطة: فيُعاد تجديدها، وتُسمّى “الخصوصية”، وتُرمى إلى الشعب كذرٍّ للرماد في العيون”.

بعد تفكيك هذه التعريفات المختلفة للهوية الجزائرية، تتوصل فضيلة مرابط إلى استنتاج لاذع: كل هذه المحاولات الخرقاء تعكس في الواقع خوفًا عميقًا من المستقبل. بتقييد ما يمكن للمرأة فعله، أو ارتداؤه، أو قراءته، أو مشاهدته، أو حبه، دون أن نقدم لها رؤية ملموسة لما يمكن أن تصبح عليه، فإننا نعارض أي تقدم بشكل موضوعي. هذا الرفض للمستقبل يغذي الارتباك والكراهية والطائفية التي كانت أصلا تقوض المجتمع. إنها تستنكر هذا “الشغف بالماضي”، الذي هو في الحقيقة “ولاء للأموات”، ويشكل إهانة حقيقية للأحياء – وحتى للأموات أنفسهم: “هذا الولاء للأموات إهانة للأحياء – وللأموات أنفسهم”.

الجزائر والإسلام والمرأة

كان الإسلام أحد الأسس التي يُستشهد بها غالبًا لتعريف الشخصية الجزائرية، وتحديدًا الإسلام في تطبيقه على المرأة الجزائرية. مع ذلك، لا تُكرر فضيلة مرابط هذه الفرضية دون نقاش، بل تُقرّ بتأملاتها النقدية بصراحة. ووفقًا لها، لم يكن الإسلام ثوريًا إلا في إطار الوحي الأصلي. وإذا لم يُواصل دوره في تحرير المرأة على مر العصور، فمن غير المرجح أن يُؤدّي هذه الوظيفة اليوم.

وتُعرب عن شكوكها في الطابع المساواتي للرسالة الإسلامية، مُعتقدةً أن المرأة، في نظر المؤمن، تبقى “في ذاتها” أدنى من الرجل. وحتى عندما يُبدي بعض الرجال حساسيةً تجاه مطالب المرأة، فإنهم غالبًا ما يلجأون إلى الحيل والتحايل لتجنب إعادة النظر في هيمنتهم.

على صعيدٍ ملموس، تلاحظ فضيلة مرابط نوعًا من الانتقائية في تطبيق الإسلام، وهو ما يظهر في كون المدافعين عن النظام الأخلاقي لا يلجأون إليه إلا عند طرح أسئلة تتعلق بوضع المرأة. وتشير ساخرةً إلى ذلك قائلةً: “من الغريب أن هذه النفوس الجميلة لا تلوح بالقرآن إلا في اللحظة التي تُطرح فيها مشكلة تطور المرأة. إذا كان القرآن قانونًا للحياة، فلماذا لا يُستشهد به باستمرار وفي جميع المجالات؟ إذا كان يُنظم الميراث، فذلك لأنه لا يعارض الملكية الخاصة؛ فهل يُجيز الإصلاح الزراعي أو تجميع الأراضي؟ يبدو أن هذا السؤال لا يهم المتدينين (…)”.

علاوة على ذلك، في ذلك الوقت، بدأت المرجعية الدينية بالتحول إلى قوة سياسية منظمة، كما يتضح مع جمعية “القيام”. ففي اجتماع عُقد في جانفي 1964، جمعت هذه المنظمة ما يقرب من 3000 شخص للمطالبة بوضع سياسات ثيوقراطية. وفي العام نفسه، ندد نصّ نُشر في صحيفة “الشعب” بعنوان “لنطرح المشكلة الحقيقية”، بهذه الحركة: “إن منظمي هذا الاجتماع، الذين يحلمون بدولة ثيوقراطية توضع في خدمة مصالح طبقية وفئوية معينة، يهدفون في نهاية المطاف فقط إلى وقف تقدم الجزائر وعرقلة الديناميكية الثورية التي تحركها”.

يحتل الإسلام مكانةً محوريةً في النقاشات والصراعات السياسية في الجزائر بعد الاستقلال، حيث غالبًا ما تُعتبر أي محاولة إصلاح خيانةً للأصل. في مواجهة هذه النقاشات المجردة أحيانًا، كانت فضيلة مرابط تختار العودة إلى الجوهر: التحدث بشكلٍ ملموس عن المرأة والصعوبات اليومية التي تواجهها.

العقيدة السياسية بعد الاستقلال: التضحية بألف فتاة من أجل الاشتراكية

بعد صدور كتابها الأول “المرأة الجزائرية”، تلقت فضيلة مرابط العديد من الرسائل والتقت مع شخصيات مختلفة. لكن رسائل النساء المجهولات كانت الأكثر تأثيرًا عليها. فقد كشفت عن واقع أشد قتامة وأكثر انتشارًا مما كانت تتوقع. فتدفقت الشهادات، راسمةً صورةً قاتمة لأوضاع المرأة في الجزائر، لا سيما فيما يتعلق بقضية الزواج القسري واليأس الذي يسببه.

“وأصبحت قضية فضيلة مرابط رمزًا للرقابة الأيديولوجية الصارمة التي يفرضها الحزب على الصحافة”

في البرنامج الثاني الذي شاركت في تقديمه مع زوجها، بعنوان (La Parole aux jeunes) “الكلمة للشباب”، ناقشت فضيلة مرابط محاولة انتحار فتاة صغيرة تعرضت للإجبار على الزواج. لاقت هذه القصة صدى واسعًا لدى مئات المستمعات، إذ تلقت المحطة الإذاعية سيلًا من الرسائل من شابات يائسات، مُهددات أيضًا بالزواج القسري. بفضل التغطية الإعلامية للبرنامج، تجاوز الموضوع نطاق الحياة الخاصة ودخل المجال العام، حيث بدأت الصحافة بمناقشته، حتى أن الهياكل السياسية تناولته. اتصلت فضيلة مرابط برئيس الجمهورية للتوعية بحجم هذه الظاهرة.

لكن سرعان ما تلت ذلك أعمال انتقامية. استدعى مسؤولو الإذاعة والتلفزيون الجزائرية الزوجين ووبّخاهما بشدة. واتُهما بتقويض معنويات الشباب، والتشجيع على الانتحار، وزرع بذور التمرد بين الشباب. لم يفُسّر عملهما على أنه عمل توعوي، بل على أنه هجوم على النظام الاجتماعي والقيم التقليدية. وتحت الضغط، حاولا تعديل خطابهما: فأعادا تركيز المواضيع التي يتناولانها، مُسلّطين الضوء على “ميثاق الجزائر” وفكرة تحرير المرأة من خلال العمل. لكن الضرر كان قد وقع: فقد وُصفا بأنهما “مخربان”، ومنذ ذلك الحين، أصبح لزامًا عليهما الحصول على موافقة مسبقة من الإدارة على برامجهما الإذاعية.

أصبحت المواجهة حتمية. منع المخرج رسميًا أي إشارة إلى وضع المرأة. رفضت فضيلة مرابط الصمت، وردّت بأنه يتصرف كرجعي، وأنه يحاول إعاقة برنامج مُقلق. لم تندم فضيلة مرابط أبدًا على هذه المواجهة، حيث كتبت لاحقًا في مؤلفها:
“نحن في اليسار متهاونون للغاية تجاه الأوغاد.”

تصاعدت الاتهامات. أصبح الزوجين مشتبها فيهما بخدمة مصالح أجنبية، أو حتى بخدمة أجندة الشيوعيين. واتخذت القضية منحى سياسيًا. وكانت مقابلة فضيلة مرابط مع مدير الإعلام أكثر عنفًا. فبينما أنكر الأخير إصداره أمرًا بإيقاف البرنامج، تبنى صراحةً منطق التضحية: “كيف فعل السوفييت؟ هل كانوا مهتمين بمصير أفراد قلائل؟ لا، بل كانوا مهتمين فقط بمستقبل المجتمع.”
وأضاف بصراحة: “لكي تتقدم الثورة وتعيش، أنا مستعد للتضحية بعشرة، مئة، ألف فتاة إن لزم الأمر”.

تخلى مسؤولو المؤسسة عن الزوجين، وأصبحت قضية فضيلة مرابط رمزًا للرقابة الأيديولوجية الصارمة التي يفرضها الحزب على الصحافة. ​​أُغلق النقاش حول الزواج القسري. فحتى مناضلات الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات والاتحاد العام للعمال الجزائريين ألقين باللوم على الفتيات الصغيرات اللواتي انتحرن، معتقدات أنه لا ينبغي “التصرف بفظاظة” مع الأمهات اللواتي يرغبن في تزويج بناتهن. أُلغي البرنامج الإذاعي الوحيد الذي تناول وضع المرأة. أما مئات الرسائل الواردة، فقد أُلقيت في سلة المهملات.

رفضت فضيلة مرابط القول بأن برنامجها كان “سابقًا لعصره”. بالنسبة لها، لم يكن الفشل ثقافيًا، بل سياسيًا. وكتبت: “لا، لم نكن معزولين عن الجمهور، سواء كان “منظماً” أم لا، بل عن النظام. في المشهد السياسي لتلك الفترة، كنا نشكل نشازًا. وبالنظر إلى غالبية الرجال في السلطة، وخياراتهم الحقيقية، وأساليبهم في الحكم، كان جميع المناضلين الاشتراكيين “أكثر تقدمية” – أي في طليعة سلطة لم تكن هي نفسها طليعية. وبالتالي فإن التفسير النهائي لفشلنا ليس تفسيراً اجتماعياً ونفسياً (…)، بل هو في الأساس تفسير سياسي.”

العلاقة رجال/نساء من منظر الصراع الطبقي

ليس من الغريب أن تتبنى فضيلة مرابط إطارًا ماركسيًا لتحليل العلاقات بين الرجال والنساء في المجتمع الجزائري بعد الاستقلال. من وجهة نظرها، ليس اضطهاد المرأة ظاهرة معزولة، بل هو جزء من ديناميكية أوسع للاستغلال والهيمنة. فكما تُثير الرأسمالية البرجوازيةَ ضد البروليتاريا، يُعيد المجتمع الجزائري إنتاج شكل من أشكال العداء الهيكلي بين الرجال والنساء، حيث تجد النساء أنفسهن في وضع مُسيطر عليه. بالنسبة لمرابط، ليس استغلال النساء إلا مظهرًا خاصًا من مظاهر استغلال الرجال للرجال.

في هذا السياق، تُوجّه نقدًا مباشرًا للبرجوازية الجزائرية الناشئة، التي تُعرّفها أساسًا بأنها طبقة الموظفين والمسؤولين الحكوميين. وحسب رأيها، فإن هذه البرجوازية، وإن كانت تدّعي اشتراكيتها، إلا أنها تشكلت بالانقلاب على مبادئ الثورة ذاتها. فهي تُثري نفسها بالفساد والمحسوبية وازدراء القانون، مُختبئةً وراء خطاب رسمي يُروّج للتقدم. تُشير فضيلة مرابط إلى حالات مُحددة من اختلاس الأموال واستغلالها، يشغل مُرتكبوها مناصب في أجهزة الدولة.

وإلى جانب الفساد المادي، تُدين أيضًا شكلاً من أشكال الاغتراب الفكري والثقافي. إذ تُبقي هذه النخبة الشعب في جهل وخرافات، مُقدمةً له في المقابل “الجوع مقابل عبادة الأسلاف المتعصبة”. ويُصاحب هذا الاحتقار للجماهير خطابٌ مزدوج: فبينما تُرسل النخب أبناءها إلى المدارس الفرنسية، تفرض على الشعب أسطورة “الخصوصية الوطنية” التي يُفترض أنها تُبرر رفض الحداثة، وخاصةً فيما يتعلق بحقوق المرأة.
تعتقد فضيلة مرابط أنه لا شيء يُنتظر من هذه البرجوازية فيما يتعلق بتحرر المرأة، لأنه “من غير الممكن (…) تعزيز تحرر المرأة والحفاظ في الوقت نفسه على امتيازاتها الأخرى. فكل شيء مترابط، وتحرر المرأة ليس مشكلة منفصلة، ​​بل هو جزء من سياسة شاملة، تتضمنها وتحددها”.

بمعنى آخر، لا يمكن النظر إلى تحرر المرأة بمعزل عن التحول الشامل للمجتمع. فالمساس بأحد أركان الاستغلال – وهو النظام الأبوي في هذه الحالة – يتطلب الطعن في جميع الآليات التي تُمكّن البرجوازية من الحفاظ على سلطتها. ترى فضيلة مرابط أن تحرر المرأة هو في المقام الأول قضية اقتصادية، ولكنه أيضًا قضية اجتماعية وسياسية: فهو يتطلب إعادة تقييم جذرية للهياكل القائمة. ولهذا السبب، ترى أن الطبقة التي تعيش على استغلال الآخرين لا تستطيع تحرير جزء من هؤلاء الذين يتم استغلالهم – النساء – دون تعريض سيطرتها للخطر.

عن أهمية هذا العمل اليوم

لا يزال عمل فضيلة مرابط ذا أهمية استثنائية اليوم لفهم التحديات المستمرة التي تواجه وضع المرأة في الجزائر. فهو يقدم بالفعل رؤية ثاقبة عن ماضٍ يميل البعض إلى تمجيده وإضفاء طابع مثالي عليه، مدعيًا أن النساء كنّ يعشن حياة أفضل قبله، عند مقارنته بوضع المرأة بعد العشرية السوداء. ومع ذلك، تكشف فضيلة مرابط، من خلال تحليلاتها الدقيقة، عن واقع مظلم للغاية، مُمحى ومنسي، كما يطرح الحاضر تحديات كبيرة أيضًا. يساعد عملها على تفكيك هذا السرد التبسيطي من خلال إظهار أن فترة ما بعد الاستعمار، بعيدًا عن كونها عصرًا ذهبيًا، اتسمت بتوترات شديدة حول مكانة المرأة في المجال العام، والزواج القسري، والأحكام المسبقة، والظروف التي كانت النساء ضحاياها.

علاوة على ذلك، تكمن أهمية كتاباتها في تسليطها الضوء على أنه، بعد مرور ما يقرب من ستة عقود، لا تزال العديد من الأسئلة الجوهرية عالقة للأسف. فالعلاقة بأجساد النساء، التي لا تزال تخضع لضوابط اجتماعية صارمة ووصم، تشهد على نظام اجتماعي متصلب يفرض معايير تقييدية ومسببة للذنب. وبالمثل، لا يزال الاحتقار المنهجي للمرأة قائما، سواءً كان اجتماعيًا أو سياسيًا أو ثقافيًا، وغالبًا ما يُضفى عليه طابع مؤسسي، لا سيما من خلال نصوص تشريعية مثل قانون الأسرة، الذي يُكرس تفاوتًا قانونيًا صارخًا بين الرجل والمرأة.

وهكذا، لا يقتصر عمل فضيلة مرابط على شهادة تاريخية أو نقد للماضي، بل يُشكل أداةً أساسيةً للتفكير في النضالات النسوية الراهنة في الجزائر. فتُذكرنا بأن تحرر المرأة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحول اجتماعي وسياسي شامل، وأن النضالات التي تُخاض اليوم جزءٌ من سلسلة متواصلة من المطالب والمقاومة ضد آليات القمع التي امتدت لعقود. ومن خلال إعادة النظر في عملها، يمكن لناشطات ونشطاء اليوم استلهام مفاتيح الفهم، وكذلك الإلهام لتجديد وتعزيز الكفاح ضد أوجه عدم المساواة المستمرة.