الجزائر والصين: 65 عاماً من الشراكة الاستراتيجية الشاملة

على مدى أكثر من ستة عقود، شكّلت الجزائر والصين شراكة اقتصادية متينة أصبحت إحدى أكثر العلاقات الثنائية تأثيرًا في الدبلوماسية الجزائرية. وقد مثّل توقيع شراكة استراتيجية سنة 2023 مرحلة جديدة في مسار هذه العلاقة، وطرح تساؤلات حول توازنها وانعكاساتها الاقتصادية.

تربط الجزائر والصين شراكة اقتصادية لأكثر من ستة عقود، مشكلة إحدى أهم العلاقات الثنائية في الدبلوماسية الجزائرية. ويمثل توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في عام 2023 مرحلة جديدة، ويطرح تساؤلات حول توازن هذه العلاقة وتأثيرها الاقتصادي.

تُعدّ العلاقة بين الجزائر والصين من أكثر الشراكات الثنائية رسوخاً وتأثيراً في الدبلوماسية الجزائرية المعاصرة. فقد انطلقت هذه العلاقة من تضامنٍ مبكرٍ مناهضٍ للاستعمار، وتعززت بتقاربٍ سياسيٍّ مستمر، وتعمقت من خلال تعاونٍ اقتصاديٍّ واسع النطاق، إلى أن بلغت مستوى نوعيا جديدا مع إقامة شراكةٍ استراتيجيةٍ شاملة، تمّ توقيعها على أعلى مستوى في الدولة عام 2023.

في بيئة دولية تتسم بالتفتت الجيوسياسي، والتشكيك في النظام الاقتصادي الليبرالي، وظهور مراكز قوة جديدة، تُوفر العلاقة الصينية الجزائرية إطارًا تحليليًا مهما لفهم ديناميكيات التعاون بين دول الجنوب. فهي تُسلّط الضوء على إمكانات الشراكة الاستراتيجية المتعمقة، وعلى القيود الهيكلية التي تعيق تحوّلها إلى محرك مستدام للتنمية.

 

الأسس التاريخية لعلاقة فريدة من نوعها (1958-1962)

تعود جذور العلاقات الصينية الجزائرية إلى ما قبل استقلال الجزائر. ففي سبتمبر 1958، اعترفت جمهورية الصين الشعبية رسميًا بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ما جعل بكين من أوائل الداعمين الدوليين للقضية الجزائرية. وقد رسّخت هذه الخطوة السياسية، النادرة في سياق الحرب الباردة، العلاقة ضمن منطق دائم من التضامن المناهض للاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني.

 فور استقلال الجزائر في جويلية 1962، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية مباشرة. يمنح هذا الأساس التاريخي العلاقات الجزائرية الصينية عمقاً تاريخياً ورمزيةً لا تزال تؤثر في الخيارات الدبلوماسية والاستراتيجية لكلا البلدين.

 

التقارب السياسي ودبلوماسية عدم الانحياز(1960-2000)

في العقود اللاحقة، وجدت الجزائر وبكين نفسيهما متحدتين في القضايا الرئيسية المتمثلة في النزعة الدبلوماسية نحو العالم الثالث، وحركة عدم الانحياز، والدفاع عن سيادة الدول. ولعبت الجزائر، التي كانت نشطة بشكل خاص في سبعينيات القرن الماضي، دوراً دبلوماسياً بارزاً في المحافل الدولية، بينما سعت الصين إلى نيل الاعتراف الكامل بها على الساحة الدولية.

في هذا السياق، شكّل عام 1971 علامة فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين. فقد كانت الجزائر من بين الدول التي سعت بقوة إلى إعادة إدماج جمهورية الصين الشعبية في المجتمع الدولي، ودعمت بقوة انضمامها إلى الأمم المتحدة واستعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن، الذي كانت تشغله تايوان آنذاك. ويُجسّد هذا التقارب الاستراتيجي علاقةً قائمة على التضامن السياسي والمعاملة بالمثل، تتجاوز بكثير مجرد توافق ظرفي.

وهكذا رسخت هذه الفترة علاقة استراتيجية قائمة على الثقة، تتمتع باستقلال نسبي عن التقلبات الأيديولوجية، وتستند إلى الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل المشترك من أجل نظام دولي أكثر عدلا وتوازناً.

 

النمو في مجالات الاقتصاد والبنية التحتية (سنوات 2000)

شهدت العلاقات بين البلدين تحولا حقيقيا في أوائل سنوات 2000، مع المشاركة الواسعة للشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية الجزائرية الكبرى. وقد رسخت الصين موقعهاوهو مستوى تدريجياً كفاعل رئيسي في تحديث البنية التحتية الأساسية للبلاد.

وتشمل الإنجازات البارزة الطريق السريع شرق-غرب (أكثر من 1200 كم، تم افتتاحه في عام 2006)، والجامع الكبير بالجزائر (تم افتتاحه في عام 2020، بتكلفة تزيد عن مليار دولار)، بالإضافة إلى برامج واسعة النطاق للبنية التحتية للإسكان والموانئ والسكك الحديدية والهيدروليكية والاتصالات.

 ابتداءً من عام 2013، أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي للجزائر، وهو موقع لا تزال تحتفظ به حتى اليوم، مما يعكس التكثيف السريع للتبادلات الاقتصادية.

 

إضفاء الطابع المؤسسي على الشراكة وترسيخها الجيواقتصادي  (2014-2023)

شكّل تأسيس الشراكة الاستراتيجية في عام 2014 اعترافاً رسمياً بأهمية هذه العلاقة. وقد مهدت هذه الخطوة الطريق لتعاون أكثر تنظيماً وتأسيساً.

 يُعزز انضمام الجزائر إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية البُعد الجيواقتصادي للشراكة، بما يتماشى مع موقعها الاستراتيجي بين أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا. وفي الوقت نفسه، حصلت الجزائر على صفة شريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون، ما يُتيح لها التماهي مع الهياكل متعددة الأقطاب الناشئة مع الحفاظ على مبدأ عدم الانحياز.

 

الشراكة الاستراتيجية الشاملة لعام 2023: تغيير في الحجم والمستوى

تمثل الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الجمهورية الجزائرية إلى الصين في جويلية 2023 علامة فارقة حاسمة بتوقيع شراكة استراتيجية شاملة، وهو مستوى من العلاقات لا تمنحه بكين سوى لعدد محدود من شركائها.

 من المتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري الثنائي إلى حوالي 12.4 مليار دولار أمريكي في عام 2024، حيث تستحوذ الصين على ما يقارب 20% من الواردات الجزائرية. ومنذ عام 2022، تم تسجيل أكثر من 40 مشروعًا استثماريًا صينيًا، بقيمة إجمالية تُقدر بنحو 4.5 مليار دولار أمريكي، تشمل الاستثمارات المباشرة والمشاريع المشتركة.

 

الطاقة: ركيزة استراتيجية وإمكانيات واسعة للتنويع

يُعد التعاون في مجال الطاقة أحد أهم ركائز الشراكة. فالجزائر لاعب رئيسي في سوق الغاز، بينما تُعد الصين مستهلكاً كبيراً للطاقة ورائدا عالميا في مجال التكنولوجيا.

إلى جانب المحروقات، تبرز آفاق واعدة في مجال الطاقات المتجددة. تهيمن الصين على سلسلة القيمة العالمية للطاقة الشمسية الكهروضوئية، بينما تمتلك الجزائر إمكانات شمسية استثنائية، إذ تتجاوز ساعات سطوع الشمس فيها 3000 ساعة سنوياً في المناطق الصحراوية. من شأن التعاون في مجالات الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة، وعلى المدى المتوسط، الهيدروجين الأخضر، أن يعزز أمن الطاقة والتنويع الاقتصادي في الجزائر.

 

الحضور الصيني ونقص الشراكات بين القطاع الخاص الجزائري والصيني

ازداد الوجود الصيني في الجزائر بشكل ملحوظ منذ سنوات 2000. وفي ذروته، قُدّر عدد أفراد الجالية الصينية بين 30,000 و40,000 شخص، فيما تعمل أكثر من 1,300 شركة صينية في البلاد.

 ومع ذلك، لا يزال هذا الحضور يتركز أساسا فيهذ المشاريع الحكومية المشتركة. ويظل التعاون بين الجهات الفاعلة من القطاع الخاص محدوداً، ويعود ذلك على وجه الخصوص إلى ضعف النسيج الريادي الجزائري وغياب شركات وطنية قادرة على المنافسة دولياً وترسيخ مكانتها كشركاء صناعيين متكاملين.

 

عدم التوازن في الشراكة والقيود الهيكلية الداخلية

تتسم الشراكة الصينية الجزائرية بعدم التوازن الهيكلي نتيجة التفاوت في القوة الصناعية والمالية والتكنولوجية بين البلدين. هذا التفاوت ليس مشكلة في حد ذاته، ولكنه يتطلب آليات واضحة لضمان تحقيق نتائج تعود بالنفع على الطرفين.

ومع ذلك، لا يزال تعميق الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية مرهوناً إلى حد كبير بالقيود الداخلية التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري. فبطء وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية يعيق نمو القطاع الخاص ويحد من جاذبية البلاد للاستثمار الأجنبي المباشر، الذي لا يزال متواضعاً بالنظر إلى الإمكانات الوطنية.

يؤثر حجم الاقتصاد الموازي، الذي يقدر بأكثر من 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي، على طبيعة المبادلات التجارية، لا سيما في السلع الاستهلاكية المستوردة، ويقلل من العائدات الضريبية والصناعية.

 وأخيرًا، على الرغم من ضخامة المشاريع المنفذة، لا يزال نقل التكنولوجيا محدودًا. فالعائق الرئيسي ليس الوصول إلى التكنولوجيا، بل القدرة الوطنية على استيعابها وتطويرها ونشرها، في ظل غياب شركات صناعية جزائرية رائدة قادرة على العمل دوليًا.

 

شراكة كاشفة ومتطلبة

بعد مرور خمسة وستين عاماً على انطلاقتها، دخلت العلاقات الصينية الجزائرية مرحلة من النضج الاستراتيجي. وتستند هذه العلاقة إلى إرث تاريخي متين، وتقارب جيوسياسي واضح، وتعاون اقتصادي كثيف.

لكن هذه الشراكة تعمل أيضاً كمرآة كاشفة: فهي تكشف على الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها الجزائر، مع التأكيد في الوقت ذاته على الحاجة الملحة إلى إصلاحات داخلية عميقة، بهدف تحويل هذه العلاقة السياسية المميزة إلى رافعة مستدامة للتصنيع والتنويع الاقتصادي وتعزيز السيادة الاقتصادية.

وبالتالي، فإن مستقبل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والجزائر سيعتمد على استمرارية التعاون مع الصين بقدر اعتماده على قدرة الجزائر على تسريع تحولاتها الداخلية والاندماج الكامل في الديناميكيات الاقتصادية الدولية للقرن الحادي والعشرين.

 

ليازيد بنحامي
إطارٌ بوزارة الثقافة. رئيس مجموعة التفكير حول الجزائر (GRAL). نائب رئيس جمعية الصداقات الفرنسية-الصينية بباريس. كاتب ومساهم في وسائل الإعلام.