خلل ما

“الرجلُ الشنيعُ نظر باتجاهي، ابتسم، لم أرَ في حياتي ابتسامةً بشعةً كتلك التي له. أحسست أن أشعة الشمس لا تضيء الرقعة التي يقف عليها رجلٌ يخطط للإقصاء.”

Dalila Dalleas, Ma Demeure 4 (2019). Source: www.daliladalleas.com

مرَّت أربعُ ساعاتٍ ببطءٍ شديد، تخيلت أنها ساعاتٌ رفيقاتٌ، صديقاتٌ متآمراتٌ نمّاماتٌ بشدةٍ، لا يدعن شخصًا لشأنه ولا شأنًا لشخصٍ. نقل الموظفُ الأوراقَ من يده اليمنى إلى اليسرى ببطءٍ أشد، ثم نظر إليَّ وانتقل بنظره إلى الشاب الواقف خلفي. عندما رأيتُ أين ينظر، كان الشاب يحمل حقيبةَ ظهرٍ كبيرة كصدفةِ سلحفاةٍ، على شفته السفلى أثرُ لعابٍ أو محلولٍ أبيض، وعلى الشفة ذاتها شيءٌ أحمر. قلب الموظف الملفاتِ بين يديه، وضعها على الطاولة أمامه، وأمامي، بيننا فاصلٌ من البلاستيكِ المقوى، الشفاف.

سألته: “هل سننتظر أكثر؟” رمقني على مهلٍ وقال: “لم يبقَ إلا القليل”. حاول أن يبتسم، وعندما لم أشجعه على ذلك، إذ التفتُ إلى شخصٍ يتحدث إلى امرأةٍ شعرها مصبوغ بالأصفر الفاقع، قال لها: “أريد أن تذهبَ كلُّ أموالي إلى أمي، لا أريد أن تأخذَ زوجتي فلسًا واحدًا”. إلهي! كم تتحمَّل النساءُ من البشاعة! قلت في نفسي. كان رجلًا قليلَ الرقةِ، الجمالِ، الفطنةِ، اللغةِ، الطولِ، فائضَ الركاكةِ والدهونِ، كمن ينام داخل بطنه فيلٌ أفريقيٌّ متوسطُ العمر. ضحكتْ الموظفة ذات الشعرِ الأصفر الفاقع أثرَ اللونِ السيئِ، قالت: سأطرحُ السؤالَ على صاحب الأمر. لم تستعمل هذه العبارةَ بالذات، بل عبَّرتْ مثل من أعجبها أمرُ قرارٍ خطيرٍ وجدتْ في نفسها ميلًا طبيعيًا إليه.

الرجلُ الشنيعُ نظر باتجاهي، ابتسم، لم أرَ في حياتي ابتسامةً بشعةً كتلك التي له. أحسست أن أشعة الشمس لا تضيء الرقعة التي يقف عليها رجلٌ يخطط للإقصاء. أخيرًا عاد الموظفُ البطيء، فتح ملفي، نظر جيدًا إلى صورتي (كنتُ فيها ألبس الأبيض، عيني اليمنى تبدو جاحظةً على غير المعتاد، شفتيَّ رقيقتان جدًا متكلستان كمنقارِ دجاجة، وشعري مُسرَّح إلى الخلف بعنايةٍ، كما تتطلب صور بطاقات الهوية. تكلُّف البشاعةِ واجبٌ على ما يبدو)…

عند محل أكلٍ خفيفٍ سوري، وضعت العاملة الفلافل، تسخن، ببطءٍ، حركتها كعرضٍ بطيءٍ لصورٍ كان يمكن أن تكون أسرع. سألتها على سبيل التلهي: كم الساعة؟ إنها الثانية والنصف. أخبرتها أن تسرع قليلًا، رمقتني باستغرابٍ وقالت: “المتعة في الأكل البطء”. تعمدتْ تذكيري أنني هنا للأكل وليس لحاجةٍ ما. الرجل في المكتب وهو يقرر حرمان زوجته من ماله، ما زال داخل رأسي. سألت العاملة أن تعطيني بدل الفلافل شيئًا آخر لا يستدعي التسخين، قالت: “لكنها، صارت ساخنة”، وأنا كنت قد تخلصت من رغبتي في الأكل، من الجوع، ومن الرجل الذي حرم زوجته. ربما وافقوا هناك في المكتب على طلبه، ربما ماتت هي قبله، ربما ماتت أمه قبله، قبل زوجته، قبلهم جميعًا، فرّت، انتحرت، قتلته، تجرعت السم؟