“On the Water—Refugee Boat Battling Waves in the English Channel”, Jurita Kalite(2024). Source: Wikimédia Commons
يحاول جزائريون، معظمهم من الشباب، مغادرة بلادهم دون جواز سفر أو تأشيرة، على متن قوارب بدائية، مخاطرين بحياتهم. في اللهجة المحلية، يُطلق عليهم بالدارجة اسم “الحرّاقة”: فهم “يحرقون” الحدود، ويتجاوزون مراحل المغادرة القانونية، وأوراقهم الثبوتية مجازا. وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، أصبح “الحرّاقة” رمزًا ليأس الشباب الجزائري. ولكن ما الذي نعرفه حقًا عن هذه الظاهرة؟ كم عدد هؤلاء؟ ولماذا يرحلون؟
وضع الظاهرة في سياقها التاريخي
قبل الإجابة على هذه الأسئلة، لا بدّ لنا أولا من تغيير زاوية النظر. لطالما كانت الجزائر بلدًا مصدرا للهجرة منذ مطلع القرن العشرين. وقد لبّت هذه الهجرة في البداية احتياجات الدولة الاستعمارية من العمالة والعسكريين، لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى. ولم يُمثّل الاستقلال عام 1962 قطيعةً مع هذا النمط. فقد حافظت اتفاقيات إيفيان على نظام ميسر لتنقل الأشخاص بين البلدين، واستمرّت هجرة العمالة، ولا سيما من الذكور ومن الطبقة العاملة، في تلبية احتياجات فترة “الثلاثين المجيدة” (1945-1975)، التي شهدت ازدهارا اقتصاديا كبيرا. وقد جرت هذه الهجرة ضمن إطار قانوني.
كان التشديد التدريجي لسياسات الهجرة، بدءًا من سنوات 1970، هو ما أدى إلى تحول تدفقات الهجرة إلى الهجرة غير النظامية. إن طرح سؤال “لماذا هؤلاء الحرقة؟” هو في الواقع طرح سؤالين منفصلين: لماذا الهجرة؟ ولماذا القيام بذلك بهذه الطريقة، مع المخاطرة بالحياة؟ يجب الإجابة على السؤال الثاني بتوضيح أن الوضع الراهن ليس طبيعيًا ولا أبديًا. حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، كانت فرنسا، مثلها مثل غيرها من الدول الأوروبية، تستقطب هذه القوى العاملة بنشاط. ولم يفرض نظام تأشيرات الإقامة القصيرة إلا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. تعود أولى عمليات المغادرة السرية بالقوارب إلى تسعينيات القرن الماضي. لذا، فإن ظهور هذا الشكل من الهجرة لا يعني أن الجزائريين أصبح لديهم فجأة “أسباب أكثر” لمغادرة بلدهم، بل إن أسباب الهجرة بقيت قائمة، في حين أصبحت فرص الهجرة القانونية موزعة على نحو شديد التفاوت.
ومن الضروري أيضا، عند الحديث عن الهجرة غير النظامية (الحرقة) تجنب التعامل مع هذه الظاهرة، رغم حضورها الطاغي في النقاش السياسي والإعلامي، على أنها تمثل غالبية حالات الهجرة من الناحية الإحصائية. لنكن واضحين: فقدان أي شخص لحياته أثناء محاولته مغادرة الجزائر في قوارب متهالكة هو خسارة فادحة. مع ذلك، فإن غالبية الجزائريين الذين يغادرون البلاد يفعلون ذلك بشكل قانوني، حيث تُشكل لمّ شمل الأسر وهجرة الطلاب القنوات الرئيسية. ولا تزال فرنسا، بفارق شاسع، الوجهة الرئيسية، على الرغم من ازدياد تدفقات الهجرة إلى دول أخرى، وخاصة كندا وإنجلترا، منذ تسعينيات القرن الماضي. ووفقًا ليوروستات EUROSTAT ، أصدرت دول الاتحاد الأوروبي في عام 2024، 48,530 تصريح إقامة لأول مرة لمواطنين جزائريين، منها 22,352 تصريحًا لأسباب عائلية و14,142 تصريحًا لأسباب دراسية. وتستحوذ فرنسا وحدها على أكثر من 60% من تصاريح الإقامة هذه: 29,346 تصريح إقامة لأول مرة، منها 15,496 تصريحًا عائليًا و8,593 تصريحًا دراسيًا.
أما الأشخاص الذين هم في وضع غير نظامي في إحدى الدول الأوروبية، فقد عبر عدد كبير منهم الحدود بشكل قانوني، لكنهم تجاوزوا مدة صلاحية التأشيرة أو تصريح الإقامة: الطالب الذي يبقى بعد انتهاء دراسته دون أن يجد عملاً يسمح له بتغيير وضعه، أو حامل تأشيرة إقامة قصيرة الأجل الذي بقي على أراضي الدولة بعد انتهاء مدة إقامته المسموح بها، على سبيل المثال.
ومع ذلك، فقد حاول آلاف الجزائريين، ولا يزالون يحاولون، “حرق” الحدود. كم عددهم تحديداً؟
عدّ ما لا يمكن عده
لا توجد بيانات إحصائية شاملة وموثوقة لحصر عدد الجزائريين والجزائريات الذين يحاولون عبور الحدود، وينجحون أحيانًا في “الحرقة”، إذ أن هدف هؤلاء المهاجرين الأساسي هو تفادي الرقابة. وتقتصر المعطيات المتاحة على من يُقبض عليهم أثناء محاولتهم المغادرة. أما من ينجحون في الوصول إلى أوروبا دون أن يُكتشف أمرهم، أو من يفقدون أرواحهم أثناء العبور، فيبقون خارج الإحصاء. أما من يلقون حتفهم في البحر، فلا يتم انتشال جثثهم أو التعرف على هوياتهم بشكل منهجي.
وبالتالي فهي بيانات غير مكتملة، لكنها تملك ميزة إبراز الاتجاهات العامة.
أما على الجانب الأوروبي، فإن وكالة فرونتكس، وهي وكالة مراقبة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي، هي التي تقوم بجمع ونشر هذه البيانات منذ عام 2009 (انظر الشكل 1). وتسجل الوكالة شهرياً “حالات الرصد” على الحدود الخارجية، وهو المصطلح الرسمي للأشخاص الذين يُرصدون في وضع غير نظامي، سواء تم إنقاذهم في البحر أو تم القبض عليهم في نقطة حدودية، مع تفصيل جنسياتهم والطرق التي سلكوها.

تكشف البيانات عن زيادة حادة في عمليات التوقيف على الحدود بدءًا من عام 2020، حيث تم “رصد” 12,987 جزائريًا في ذلك العام، ثم 13,702 في عام 2021. ولا تزال الأرقام مرتفعة منذ ذلك الحين. وتتركز الغالبية العظمى من عمليات الضبط هذه (من 85 إلى 90%) على ما يُسمى طريق “غرب البحر الأبيض المتوسط”، من الساحل الجزائري إلى إسبانيا.
من الجانب الجزائري، تنشر وزارة الدفاع، المشرفة على حرس السواحل، تقريرًا عملياتيًا أسبوعيًا يتضمن، من بين أمور أخرى، قائمة بـ”المهاجرين غير الشرعيين على متن قوارب تقليدية الصنع” الذين تم اعتراضهم قبالة الساحل. إلا أن هذه الأرقام لا تُجمع في أي قاعدة بيانات موحدة. فمنذ عام 2023، لم تعد التقارير السنوية تُميّز بين الشباب الجزائريين الذين يحاولون العبور والمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى الذين تم القبض عليهم داخل البلاد. ولذلك، جرى إعادة بناء البيانات، عبر تجميع البيانات الصحفية الأسبوعية واحدا تلو الآخر.

تتسق هذه الاتجاهات مع ما يُرصد في إحصاءات فرونتكس، فعلى سبيل المثال، بلغ عدد الموقوفين أعلى مستوياته في عام 2020، حيث تم توقيف 8184 شخصًا (وهو أعلى رقم خلال تلك الفترة). ورغم الانخفاض النسبي في السنوات اللاحقة، إلا أن اعتقال 7359 شخصًا في عام 2025 يؤكد أن “الحرقة” لا تزال ظاهرة كبرى.
أسباب متعددة للهجرة
أسباب الهجرة كثيرة، ويصعب حصرها في سبب واحد. أولًا، هناك المخيالات المرتبطة بالهجرة، التي لا تتمحور حول رؤية أوروبا كأرض إلدورادو، بل حول إمكانية النجاح من خلال الهجرة. نوع من الأساطير الاجتماعية التي تملأ هذه التصورات. الهجرة الجزائرية تعيد إنتاج نفسها لأنها توفر إمكانية النجاح. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن هؤلاء الناس ساذجون، ولا أنهم يجهلون مخاطر العبور والصعوبات التي قد تنتظرهم على الجانب الآخر من الحدود. خلال بحثي، لفتت انتباهي عبارات معينة، جُمعت من أشخاص حاولوا الرحيل: “سأموت، هذا عادي”، أجاب أحدهم عندما سُئل عن مخاطر العبور، مرددًا التعبير الشعبي “ياكلني الحوت وما ياكلونيش الديدان” (يأكلني السمك في البحر أفضل من أن تأكلني الديدان). وقال آخر: “أفضل أن يُطلق عليّ لقب “عربي قذر” في فرنسا على أن أبقى هنا”.
إذن، ما الذي يحدث هنا ليبرر هذا الرحيل بهذه التكلفة الباهظة؟ العوامل كثيرة: تردي ظروف المعيشة، الحقرة، والظلم الاجتماعي، واستحالة تصور تحقيق الذات، حتى مع التطلع إلى حياة بسيطة (عيشة هانية). يُضاف إلى ذلك نظام اجتماعي اقتصادي يُنظر إليه على أنه غير قائم على الجدارة، حيث يعتمد الحصول على العمل أو السكن أو العدالة على الوساطات والنفوذ، لا على الجهد والعمل الجاد. إن العجز عن تصور المستقبل حقيقة واقعة، وتتجلى بشكل خاص في الاستمرار في الاعتماد على الأسرة والإقامة في بيت الوالدين رغم بلوغ سن الرشد. وأخيرًا، هناك استحالة تصور إمكانية حدوث تغيير سياسي في الجزائر.
سياسة تعتمد أساسا على القمع
لهذه الهجرة دلالة رمزية، إذ تتم مع المجازفة بالحياة، خارج الأطر القانونية، وتطال الشباب بشكل رئيسي. وقد خُصِّصت لها العديد من الأعمال الثقافية: هتافات الملاعب، وموسيقى الراي، والراب، بالإضافة إلى الرسوم الكاريكاتورية والأعمال الفنية المعاصرة. وقد أصبح هذا الموضوع حاضرا بقوة في وسائل الإعلام. كما يوثِّق الحرّاقة أنفسهم هذه الظاهرة: إذ تنتشر مقاطع فيديو لعبورهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
في مواجهة موجات الرحيل هذه، لم تحِد السلطات الجزائرية قط عن السياسة التي تبنتها قبل خمسة عشر عامًا. فقد استحدث تجريم “الخروج غير الشرعي” من البلاد، بموجب القانون رقم 09-01 الصادر في فيفري 2009، جنحة جديدة أضيفت إلى قانون العقوبات: “الخروج غير الشرعي” من البلاد، يُعاقب عليها بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة تتراوح بين 20,000 و60,000 دينار (المادة 175 مكرر 1). وبعد مرور خمسة عشر عامًا، عزز المشرّع الإطار القانوني دون تغيير منطقه الأساسي. فقد زاد القانون رقم 24-06 الصادر في 28 أبريل 2024 العقوبات: فأصبح الحراقة يُعاقبون بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات، وارتفعت الغرامة من 100,000 إلى 300,000 دينار. وتستدعي الجوانب العملية لتطبيق هذه القوانين إجراء تحقيق ميداني. قبل الإصلاح، في الحالات التي وثقتها أبحاثي السابقة، كانت المحاكمات جماعية وتجري على نحو مستعجل، ونادراً ما كانت أحكام السجن النافذ تُطبق.
في جانفي 2026، أعلن الرئيس تبون تدابير عفو عن الجزائريين المقيمين في الخارج بصورة غير قانونية، وعرض عليهم تسوية أوضاعهم القنصلية بشرط تعهدهم بعدم تكرار المخالفة. وقد شكّل هذا الإعلان مفاجأة، إذ لا يزال تجريم “الحرقة” سارياً، وعزا الرئيس نفسه هذه الهجرة إلى “التلاعب” بالشباب من قبل “جماعات” معادية للجزائر، بدلاً من الظروف المعيشية التي تجبر الناس على المغادرة. ويبقى أن نرى ما سيعنيه هذا الإعلان فعلياً لمن غادروا بالفعل، وقبل كل شيء، لمن سيواصلون محاولات عبور الحدود في عام 2026.

