عقوبة الإعدام في الجزائر : الائتلاف العالمي يدق ناقوس الخطر

بعد أكثر من 30 عاما دون أي تنفيذ فعلي، تفتح الجزائر اليوم الباب أمام عودة ممكنة لتنفيذ عقوبات الإعدام…تطور يثيرالعديد من التساؤلات بشأن العدالة، وسائل الردع والتزامات البلاد الدولية.

la peine de mort. Félicien Rops (1833-1898). Source: Wikimédia Commons

 

بعد أكثر من 30 عاما من تعليق تنفيذ أحكام الإعدام، تقف الجزائر اليوم عند مفترق طرق حاسم بشأن هذه المسألة. ففي الأول من أكتوبر، صادق المجلس الشعبي الوطني على مشروع قانون يوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، ليشمل مرتكبي الحرائق العمدية والمتورطين في عمليات اختطاف الأطفال. ومن المقرر الآن أن يعرض النص على مجلس الأمة لدراسته.

يأتي هذا التطور عقب الحرائق المأساوية التي ضربت البلاد هذا الصيف وذهب ضحيتها مئات القتلى. ففي أواخر شهر أوت، طالب الرئيس عبد المجيد تبون بالعودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي الحرائق الإجرامية مؤكدا في نفس الوقت أنه “سيلجأ إلى تنفيذ الإعدام” بعد استنفاذ سبل الطعن.

دعونا نعود إلى الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية لهذا القرار من خلال حوار مع المديرة التنفيذية للائتلاف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، السيدة أوريلي بلاسيه.

 

لم تنفذ الجزائر أي حكم بالإعدام منذ عام 1993 رغم استمرار المحاكم في إصدارها. فما الذي سيتغير عمليا إذا تم الرجوع إلى التنفيذ الفعلي لهذه الأحكام بعد أن أقر البرلمان ذلك في الأول من أكتوبر؟

العودة إلى التنفيذ الفعلي لهذه الأحكام سيغير حتما العديد من الأشياء. أولا، هذه المدة الطويلة دون أي تنفيذ تعني كذلك عدم تحديث بروتوكول التنفيذ. ويكفي أن نرى أساليب التنفيذ التي تكاد تكون طرائق تعذيب، لنتذكر أنه لا يوجد أي طريقة إنسانية لإعدام إنسان. وخير مثال على ذلك، ما حدث مؤخرًا في الولايات المتحدة الأمريكية عند تنفيذ الحكم على كريستا بايك في ولاية تينيسي.

ومن الأكيد كذلك أن هذا القرار سيسيئ لسمعة الجزائر على الصعيد الدبلوماسي، لأنه سيكون بمثابة تراجع عن التزاماتها الدولية التي اتخذتها في السنوات الأخيرة. وخاصة دعمها الدائم لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف عالمي لتطبيق عقوبة الإعدام.

 

أعرب الرئيس تبون عن عزمه على توسيع نطاق عقوبة الإعدام ليشمل مرتكبي الحرائق العمدية والمحرضين عليها، في وقت لا تزال فيه التحقيقات جارية. ما هي المخاطر التي ترونها في تعديل قانون العقوبات، في ظل مشاعر الغضب والاستياء الناجمة عن الفاجعة التي شهدتها البلاد ؟

يجب ألا يُستخدم القضاء أو قانون العقوبات في أجواء الانفعال الشديد، وإلا اختلطت العدالة بالانتقام. فالخطر يكمن في فتح الباب على مصراعيه للمحاكمات غير العادلة والأخطاء القضائية.

 

الجزائر طرف في المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية التي اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة عام 1966، تؤطر مادتها السادسة بصرامة اللجوء إلى عقوبة الإعدام. فهل يتوافق مشروع القانون الحالي لتوسيع نطاق العقوبة، مع الالتزامات الدولية التي تعهّدت بها الجزائر؟

إن مشروع توسيع نطاق عقوبة الإعدام لا يتوافق مع المعاهدة الدولية. فلجنة حقوق الإنسان المكلفة بمتابعة تنفيذ المعاهدة، تؤكد في تعليقها العام رقم 36 : “الفقرة السادسة من المادة السادسة تؤكد من جديد أن الدول التي صادقت على المعاهدة ولم تُلغِ عقوبة الإعدام إلغاءً كاملًا، ينبغي أن تمضي على نحو لا رجعة فيه باتجاه إلغائها تمامًا، قانونًا وممارسةً، في المستقبل المنظور. إن عقوبة الإعدام لا تنسجم مع الاحترام الكامل للحق في الحياة، وإن إلغاءها أمر مرغوب فيه وضروري لتعزيز الكرامة الإنسانية والإعمال التدريجي لحقوق الإنسان. ومن ثم، فإن اتخاذ الدول الأطراف تدابير تؤدي عمليًا إلى زيادة عدد حالات تنفيذ الإعدام أو توسيع نطاق اللجوء إليها يتعارض مع موضوع المادة السادسة وغرضها.”

 

في عام 2022، صدرت عدة أحكام بالإعدام بحق عدد من الأشخاص في قضية مرتبطة بحرائق منطقة القبائل عام 2021 وبمقتل المواطن جمال بن إسماعيل. لقد جرت المحاكمة خلال فترة وجيزة شهدت انتهاكات خطيرة لحق المحاكمة العادلة. وأمرت المحكمة العليا بإجراء محاكمة جديدة لم تبدأ حتى الآن. فما الضمانات اللازمة لمنع صدور أحكام إعدام جديدة استنادًا إلى إجراءات مشكوك فيها أو اتهامات مرتبطة بالإرهاب ؟

يجب أن تكون ضمانات المحاكمة العادلة صارمة للغاية، عندما يكون الأمر متعلقا بشخص مهدد بعقوبة الإعدام، نظراً للطبيعة التي لا رجعة فيها لهذا النوع من العقوبة. ووفقًا للضمانات التي وضعتها الأمم المتحدة، لا يجوز النظر في إصدار حكم بالإعدام إلا إذا استندت الإدانة إلى أدلة واضحة وقاطعة لا تترك مجالًا لأي تفسير معقول آخر للوقائع. كما لا يجوز إصدار الحكم إلا بعد محاكمة أمام محكمة مختصة، وضمن إجراءات تكفل جميع ضمانات المحاكمة العادلة.

 

كثيرًا ما تُقدَّم عقوبة الإعدام على أنها وسيلة للردع وتحقيق العدالة للضحايا. فماذا تقول البيانات وتجارب الدول التي ألغت العقوبة عن فعاليتها الحقيقية في مكافحة الجريمة والإرهاب؟

لم يثبت علميًا قط أن عقوبة الإعدام أكثر ردعًا من عقوبة السجن الطويلة. كما تُظهر تجارب الدول التي ألغت العقوبة عدم وجود أي ارتباط بين معدل الجريمة في بلد ما ولجوئه إلى عقوبة الإعدام من عدمه.

ويشير تقرير عام 2024 الصادر عن اللقاء الذي جمع الائتلاف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام والناشطين المناهضين لها، والمنشور بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، إلى أن معدلات الجريمة تميل إلى الانخفاض بمرور الوقت، في البلدان التي ألغت العقوبة. غير أن ذلك لا يثبت وجود علاقة سببية بين الإلغاء وانخفاض الجريمة.

وخلاصة التقرير، أن الأرقام المتاحة لا تُظهر وجود علاقة مباشرة واضحة بين معدلات جرائم القتل وتطبيق عقوبة الإعدام. وفي نفس الوقت، فإن البلدان التي تسجّل أعلى معدلات الجريمة ليست أكثر ولا أقل ميلًا إلى تطبيق هذه العقوبة.

 

إذا قررت الجزائر استئناف تنفيذ أحكام الإعدام فعليًا، فما الوسائل المتاحة للمجتمع الدولي ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، لمحاولة ثنيها عن ذلك؟

هناك عدة سبل للطعن، لا سيما الطعون المتعلقة بدستورية القوانين، واللجوء إلى هيئات الأمم المتحدة، مثل لجنة حقوق الإنسان أو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.