كوبا في زمن ترامب… من الحصار إلى الخنق

أقرت الجمعية الوطنية الكوبية يوم الخميس 18 جوان، 176 إجراء اقتصاديا في إطار تحول نحو السوق الحرة، وهذا بهدف إنقاذ كوبا من الأزمة الخانقة التي تعيشها بسبب الحصار الأمريكي الذي شددته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجزيرة الشيوعية.

Photo: Elena.laps/Un taxi vert dans les rues de Trinidad, à Cuba. Wikimédia Commons

عندما غادر المشاركون في قافلة التضامن مع كوبا مطار هافانا بعد منتصف الليل، كان أول ما لفت انتباه عبد المومن خليل هو العتمة التي تملأ المدينة.

الطريق إلى الفندق شبه فارغ، الإنارة خافتة، والمدينة تبدو وكأنها تتحرك ببطء شديد. يروي عبد المومن خليل لـ”بابور” ما عاشه على أرض الواقع في كوبا قائلا إنه شهد “الآثار الكارثية للحصار على الشعب الكوبي واقتصاده”.

وكان الحقوقي الجزائري عبد المومن خليل ضمن حملة تضامن دولية مع الشعب الكوبي، تحت شعار “دعوا كوبا تتنفس”، في الفترة من 17 إلى 27 مارس من العام الجاري، حيث كان ضمن وفد أوروبي انطلق من روما على متن طائرة تحمل أدوية ومعدات طبية، وهي الحملة التي شارك فيها أيضا وفود دولية أخرى من الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل.

يصف عبد المومن الوضع في الجزيرة فيقول: “الشعب، رغم صموده وشجاعته، يعاني معاناة شديدة. كل شيء ناقص: الصيدليات خاوية، والمتاجر لا تعرض إلا الحد الأدنى من المنتجات، والشوارع شبه مهجورة بسبب نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر. ومن تبعات الحصار على الطاقة غياب السياح، رغم أن السياحة هي المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية ومعيشة العديد من العائلات.”

وكان هدف البعثة التنديد بالإجراءات الأمريكية الأخيرة التي فاقمت أزمة الطاقة في الجزيرة، وهذه الحركة جزء من نفس ديناميكية حركة التضامن مع غزة وفلسطين.

ويرى عبد المومن أن العقوبات الأمريكية القديمة أبطأت وتيرة الحياة في الجزيرة وعرقلت تنميتها على مدى عقود، لكن الحصار الطاقوي الأخير الذي قررته إدارة ترامب يبدو وكأنه “جمّدها بشكل شبه كامل.”

وتعيش كوبا وضعا غير مسبوق منذ العقوبات الأخيرة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجزيرة الكاريبية، حيث تفاقمت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للجزيرة وسكانها.

“الوضع أكثر صعوبة مما كان عليه خلال ‘الفترة الخاصة’، وهي العقد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي وفقدان حليف مكّن كوبا من الالتفاف على الحظر، لا سيما على النفط. وتشهد إحصائية واحدة على ذلك بوضوح: ارتفاع معدل وفيات الرضع مجدداً، حيث بلغ 9.9 حالة وفاة لكل ألف مولود في عام 2025، مقارنةً بـ 7.1 في عام 2024″، يقول لنا الباحث والصحفي الفرنسي المتخصص في الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي لأمريكا اللاتينية، فنسنت أورتيز.
 

من انهيار الاتحاد السوفيتي إلى عودة العقوبات: كوبا تحت الضغط

فحين انهار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية في أوروبا، فقدت هافانا جميع أسواق سكرها، ولم تعد تتلقى الغذاء أو الوقود أو المواد الخام، أو مستلزمات النظافة. فكان إنتاج كوبا آنذاك ضئيلا، وما كان ينتج من سكر أو تبغ أو حمضيات، كان يشحن جوا إلى موسكو ودول الكتلة الاشتراكية.

فمع سقوط الاتحاد السوفياتي فقدت الجزيرة مصدر تموينها وسوقها، وهو ما وصفه الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو قائلا “عندما انهار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية في أوروبا، صُدمت كوبا بعنف الانقلاب. بين ليلة وضحاها، انهارت القوة العظمى، تاركةً إيانا وحيدين تمامًا“.

واستمر الحصار الأمريكي المفروض على كوبا منذ 1960، حيث بدأت واشنطن بفرض العقوبات على هافانا بعد انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وتأميم حكومته لممتلكات وشركات أمريكية. لينطلق الحظر الكامل على التجارة مع كوبا رسميا في فيفري 1962 بقرار من الرئيس الأمريكي جون فيتزجيرالد كينيدي.

ليستمر بعده الحصار الأمريكي على الجزيرة لعقود بأشكال مختلفة، مع بعض التخفيف خلال عهد باراك أوباما، ليعود دونالد ترامب إلى تشديد الحصار للضغط على هافانا.

خلال ولاية باراك أوباما وراوول كاسترو الذي خلف أخاه فيديل على رأس كوبا، حدثت محطة مفصلية في العلاقات بين البلدين.

ففي ديسمبر 2014 أعلن الطرفان استئناف العلاقات الدبلوماسية، كما قام أوباما بزيارة تاريخية إلى هافانا سنة 2016، وكانت أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الجزيرة منذ 1928.

وهو ما سمح لراؤول كاسترو بإطلاق سلسلة إصلاحات على الاقتصاد الكوبي، شملت تقليص عدد الموظفين الحكوميين وتشجيع العمل في القطاع الخاص والتعاونيات، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية خاصة في السياحة والبنية التحتية.

غير أن نتائج هذا الانفتاح ظلت محدودة بسبب الاعتماد الكبير على السياحة والتحويلات المالية، إضافة إلى ضعف الإنتاج المحلي، تضاف إليها الأزمة الفنزويلية التي بدأت في 2014، هي التي كانت الشريك التجاري الأول للجزيرة والتي تؤمن معظم احتياجات كوبا من الطاقة، يضاف إليها أزمة كوفيد التي عصفت بالسياحة على المستوى الدولي.

وهو ما يشرحه أورتيز لـ”بابور” قائلا: “زاد دونالد ترامب من العقوبات الثانوية، أي تلك التي لا تستهدف كوبا نفسها، بل جهات خارجية تستثمر فيها. قبل أيام، وقّع أمرًا تنفيذيًا يُشدّد شروط الاستثمار الأمريكي في كوبا. والأهم من ذلك، وقّع في أوائل جانفي أمرًا تنفيذيًا يُهدّد بفرض رسوم جمركية انتقامية على الدول التي تُواصل تصدير النفط إلى كوبا. ويستهدف هذا الأمر فنزويلا والمكسيك تحديدًا، اللتين واصلتا تزويد كوبا بالنفط رغم الضغوط الأمريكية. ومنذ 15 يناير/كانون الثاني، توقفت هاتان الدولتان عن تصدير النفط إلى كوبا، ما اضطر الجزيرة للعيش بدون أي واردات نفطية… حتى نهاية مارس، حين وصلت شحنة من النفط من سفينة روسية تُقدّر ببضع مئات الآلاف من البراميل. شهرين ونصف بدون واردات نفطية وضع لم تشهده كوبا من قبل، حتى خلال الفترة الاستثنائية.”
 

الدوافع السياسية وراء التشدد الأمريكي

اليوم، وفي غياب الاتحاد السوفياتي، لا تبدو الصين وروسيا في وضع يسمح لهما بالتدخل لفك الخناق عن حليفتهما في جزر الكاريبي. أما حلفاء كوبا في أمريكا اللاتينية فلا يبدو أنهم أكثر جرأة لمواجهة العداء الشديد لهافانا الذي يعلنه ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، الذي غادرت عائلته الجزيرة.

فإضافة إلى الإطاحة بالرئيس الفنزيويلي نيكولاس مادورو، ما جعل كاراكاس عاجزة عن الحركة، أنهت نيكاراغوا الإعفاء من التأشيرة الذي كان يُمنح سابقًا للمواطنين الكوبيين العابرين عبر أراضيها للوصول إلى الولايات المتحدة، كما أوقفت غواتيمالا برنامجها لاستضافة الأطباء الكوبيين في فيفري 2026.

فمع القرارات الأخيرة لواشنطن، خصوصا تلك التي تهدد بفرض تعريفات جمركية على أي دولة تُصدّر النفط إلى كوبا، اختار حلفاء هافانا النأي بأنفسهم عن إغضاب البيت الأبيض.

فبعد عقد من التقارب النسبي الذي بدأه باراك أوباما، تواجه هافانا اليوم موقفا أمريكيا أكثر تشددا يتبناه ترامب بدوافع أيديولوجية واستراتيجية.

وهو ما يشرحه أورتيز “يتمتع اللوبي الكوبي في ميامي، المُمثَّل بمنفيين مناهضين لكاسترو من هافانا، بنفوذ كبير، لا سيما من خلال وزير الخارجية ماركو روبيو. وبعيدًا عن الدافع “الأيديولوجي” (إنهاء هيمنة الحزب الشيوعي الذي حكم لمدة ستين عامًا على بُعد مئتي كيلومتر فقط من الولايات المتحدة)، توجد أيضًا دوافع مادية غير مباشرة. تطمع الولايات المتحدة في العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية التي تزخر بها أمريكا اللاتينية، وهي في وضع غير مواتٍ مقارنةً بالصين التي تفوز بمعظم العقود. وأمام النجاح الصيني، تلجأ الولايات المتحدة إلى نهج ثنائي قسري في العلاقات التجارية، بهدف إجبار الحكومات على قبول الاستثمارات الأمريكية. إن إخضاع كوبا سيرسل رسالة واضحة إلى حكومات أمريكا اللاتينية المُقاومة.”

وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد جدد التأكيد في 21 ماي الماضي على تصميم واشنطن على تغيير النظام الشيوعي في الجزيرة التي تبعد بنحو 145 كيلومترا عن السواحل الأمريكية. كما أعلن الجيش الأمريكي بالتوازي مع تصريحات روبيو، وصول حاملة الطائرات “يو إس إس نيميتز” ومجموعتها الضاربة إلى البحر الكاريبي.

تبدو العلاقات بين واشنطن وهافانا اليوم وكأنها بلغت طريقا مسدودا، بعد عقود من التوترات والتقارب المحدود الذي لم يكتب له الاستمرار. وفي ظل هذا العداء المعلن من قبل واشنطن يطرح السؤال نفسه حول ما إذا كان لا يزال هناك هامش لإمكانية تسوية بين الطرفين، أم أن الاتجاه يسير إلى مزيد من التصعيد، وربما حتى احتمالات تدخل أمريكي في المستقبل.

بالنسبة إلى فنسنت أورتيز، فإن كل شيء يتوقف على نجاح اللوبي الكوبي في ميامي “من وجهة نظر الولايات المتحدة، سيخلق الغزو الأمريكي مشاكل أكثر مما سيحل: فغالبية الكوبيين يعارضونه، وستتحول العملية إلى كارثة، ما لم يتم شن عملية برية، الأمر الذي سيدفع دونالد ترامب إلى التراجع عن وعوده الانتخابية بالانعزالية. يسمح الحصار والعقوبات بخنق الجزيرة دون نشر الجيش، وشن حرب عليها دون قوات عسكرية. يحظى الحفاظ على الوضع الراهن بدعم شبه كامل من الحزبين: فالعقوبات تُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الكوبي، وتمنعه الآن من تقديم نفسه كنموذج بديل للرأسمالية المهيمنة.”

مومن خليل أمام إبن شي قيفارا

وفي ظل غياب أي مؤشرات على انفراج قريب في العلاقات بين البلدين، يواصل نشطاء التضامن مع كوبا المطالبة برفع العقوبات الأمريكية. يقول عبد المؤمن خليل “بالنسبة لي، يُعدّ التضامن مع الشعب الكوبي، ضحايا الحصار الاقتصادي غير القانوني واللاإنساني، عملاً أخلاقيًا وسياسيًا. إنه تعبير عن الغضب إزاء السياسات الإمبريالية للإدارة الأمريكية، التي تدوس، باسم القوة والهيبة، على القانون الدولي وسيادة الدول وكرامة الشعوب. صوت الشعب، والتضامن، والقانون هو السبيل إلى السلام الدولي.”

 

بلقاسم إفليس
صحافي